opened-book-near-coffee-and-bouquet_23-2147711390

تنبهت فجأة لنظرة العتب التي بادلني إيّها رامز و نحن جلوس في المقهى. كان ينتظر مني تفاعلاً فخذلته. أدهم في الطرف الآخر أخذ يهز فنجان قهوته ليعيد تجانس مكوناته المترسبة و على وجهه ابتسامة ساخرة.

احمر وجهي خجلاً وتمتمت معتذراً: “أعد ما قلته و سأركز معك”. فأعاد رامز عبارته بصورة أشبه بإعادة مشهد تمثيل و بدأت أتذكر معه العبارات. و كذلك أدهم، أعاد ردوده و أسئلته. و أنا أُقلّب وجهي بين الاثنان أركز في سؤال هذا و تبرير الآخر.

من المستنكر أن يجتمع رامز و أدهم على طاولة واحدة فهما كالوقود و النار لا يتصاحبان. أما أنا  فلا أعرف كيف وصلت هنا، لما أنا مشاهد محايد ولما لا أشاركهما في الحوار. صوتي الحبيس أحرق حنجرتي، أريد أن أبدي رأيي، أن أُسمع قبل أن يحدث الانفجار.

لم ألتقي بهما إلا منذ أيام. و لكن يحق لي الحكم في غرابة هذه المواجهة. رامز ببالغ أدبه يحاور أدهم سليط اللسان. بدأ اللقاء بارداً بسلام أقرب لطعنات الخناجر. لم يتصافحا و لم يرحبا ببعضهما البعض و لم يضيّف أحدهما الآخر لا بقدح شاي أو فنجان قهوة و لا حتى بكوب ماء. ازداد اختناقي، شعرتُ بغصة و أنا مجرد مشاهد لا أكن وداً و لا ضغينة لأيٍّ منهما.

كان من الأفضل أن أقف و أغادر المكان. إلا أنني تسمرت في مكاني فالمشهد بدأ يستفز حفيظتي. اخرج أدهم من سترته الفاخرة ظرفاُ يحمل صوراً ألتقطها مصور مرتزق. أردت رؤية الصور إلا أن رامز رفض لمس الظرف. و ظل شامخ الروح، معتدل الجلوس. و قِطع الأحجية تكتمل في ادراكي البطيء: “ابتزاز؟!”

أدهم من الجهة الأخرى متعطش لهزّ كيان غريمه. فتح الظرف و ألقى بالصور على الطاولة لتقع عليها كل الأعين الفضولية. وفي رمشة عين قفز رامز على أدهم يرمي به أرضاً و ينهال عليه باللكمات. تبعثرت الفناجين و ارتطمت الطاولة بصوتٍ مدوٍ بالأرض و زحفت المقاعد للخلف و تجمهر الناس. و أنا كالأحمق في مكاني جالساً أحملق في ما يحدث تحت تأثير صدماتٍ متراكمة. ألفاظ نابية، و صورٌ جارحة و عتمة جمهور و صراعٍ ضارٍ.

لم أتوقع أن أتأثر من معرفة تلك الحقائق المصورة عن رامز، لما أنا منزعج؟ لم أصدق أن الوغد أدهم هو من معه الحق، كيف يُعقل ذلك؟ أطبقت النار في حنجرتي، أصبحت غاضباً الآن، وكأن أحدهم يحكم الإمساك بمجرى أنفاسي يحاول نزع روحي بين يديه. أغلقت عيناي و ضربت بكلتا يداي على الطاولة وصرخت بصوتٍ شقّ الصمت “كفى!!!” و مع صوت الشهقات التي ملأت الأجواء من حولي، فتحت عيناي، فكانت هناك الطاولة فعلاً، لم تسقط؟ و كان المقهى ممتلأً و العيون تحملق في اتجاهي. ولم يكن هناك لا رامز و لا أدهم و لا صور. فقط قهوتي الباردة المنسكبة و كتاب.

 

فضاء

مشاركة في مسابقة أصدقاء القراءة

Advertisements