اليوم الثامن و العشرون

الثلاثاء: الثامن عشر من ذو القعدة 1431هـ

يوم التحدي*


*التِحِدِي: بكسر التاء، الحاء و الدال أيضاً: تذكرني ببرحة “أرض فارغة” في إحدى الحارات القديمة للمدينة المنورة، تُدعى برحة التحدي. هذا اليوم مليء بالتحديات، بل إن ذروة التحديات تجلت هنا. التحدي الذي أفوز به سيكتب باللون الأخضر و الذي أخسره سيكون باللون الأحمر.

 

التحدي الأول: كنت أعمل على إحدى التدوينات حتى ساعة متأخرة. و لم أتمكن من الاستيقاظ مبكراً في الواقع، تأخرت كثيراً. فوجب الاستعداد في أقل من خمس دقائق قبل وصول السائق! اغتسلت ارتديت ثيابي و جهزت أدواتي و حقائبي و لم أنسى ارتداء عباءتي و انطلقت بسرعة خارقة متناسية ثقل أحمالي و تمركزت في السيارة الحمراء، تنفست الصعداء و بدأت جولة التقاط المعلمات.

التحدي الثاني: في المحطة التي اعتدنا التوقف فيها لأداء الصلاة كنت أول المترجلين فواجهت حائطاً تمّ بناءه بين ليلةٍ و ضحاها في ذاك المكان. لم أرى شيئاً مما اعتدتُ رؤيته، لا مدخل المصلى و لا حتى الأضواء، مجرد سواد حالك سدّ الأفق. استوعبت بعد ثوانٍ من الدهشة بأنني أقف أمام عربة مهولة الحجم، توقفت على الفاصل الترابي بين المصلى و الطريق الإسفلت. كان حجمها جباراً و كانت محملةً بالأعلاف و الغلّة، جعلني ذلك المشهد أتساءل، هل تسير تلك الكارثة في نفس الطريق التي نسلكها يومياً؟ و لأثبت حجمها المرعب، اتفقت مع الشلة أن نسير من تحتها بدلاً من السير حولها، لم أنحني كثيراً كنت معتدلة تقريباً و أنا أسير في الأسفل، و وصلت للجهة الأخرى مصدومة من وجود هذه المدرعة. الغزلان الخائنة، تركتني أجازف وحدي و التففن حول السيارة يضحكن بخوف! بعد الفراغ من الصلاة، ألقت إحداهن سؤالاً عابراً: فضاء، ما شعورك و أنت تعبرين من أسفل تلك المصيبة الحديدية؟ فأجبتها: “شعور أي قطة تسير تحت سيارة عادية!“. تلاشت ابتسامتي في عتمة صندوق السيارة و أستشعرت حقيقة مضينا في طريق الموت كل يوم بصحبة تلك المدمرة التي يجب منعها من السير في ظلمة الفجر في طريق زراعي سابق تمت سفلتته مفرد وليس مزدوج منذ 30 عاماً و سيبقى هكذا 30 عاماً أخرى. الموت حق، لكن إطلاق تلك العربات لتفتك بالبشر، باطل!

التحدي الثالث: بكل بساطة، لن أضحك، لن ابتسم، لن أتفق و لن أعارض، لن أتفاعل حتى لو تم استدعائي بالإسم. إنه التحدي و ليس التمرد. أين أنا الآن؟ في زوبعة الصراخ اليومي الصباحي، أصبح هذا الجو إلزامياً كما يبدو تماماً كتمرين رياضي و لتزداد الأوضاع إثارة يتم ضياع حصتين الأولى و الثانية في اجتماع طويل و ممل خلاصته: “عاونوني…” مع دقائق من الصمت المفاجئ الذي تتمنى عينة منه في الصباح الباكر. لأنني في خضم التحدي الثالث، كان من المفترض أن يسأل أحدهم: هل ستعاونينا؟ و تساعدينا؟ و ترحمينا بدلاً من أن تحرمينا؟ و بدل من طلب الحقوق، لانت الوجوه العبوسة و كذلك القلوب و ساد الشعور (بالشفقة على المديرة). اكتشفت أن الكثير يجهل قانوناً فيزيائية، فلسفياً أو  لغوياً، صنفوها ضمن أي مجال ستجدون أن لها موضعاً مناسباً في كلّ مكان. القانون هو “الأخذ يقابلهُ عطاء“. خسرت هذا التحدي، ضحكت على احدى التعليقات، و عزائي أنها خسارة مشرفة لأنني صمدت حتى قرابة النهاية.

التحدي الرابع: عندما يتعلق الأمر بالانطباع الأول أو الأخير أو ما بينهما، فأنا أعتمد كثيراً على حدسي. و بقدر إيماني بأنه لا يوجد شر مطلق و لا خير مطلق في النفس البشرية إلا أن انطباعاتي دائماً سلبية حدّ الحضيض حول موظفات إدارة التوجيه. تحدي اليوم كان أن أمنحهم فرصة، انقب عن مواطن الخير فيهم و ربما أستشيرهم في مشكلتي الصغيرة “تدريس مادة الرياضيات”. و لحسن حظي تظهر على الساحة صباحاً موجهتان في الإدارة و تقطعان امتداد الاجتماع. كانت خمس دقائق فقط، حين اتجهت للمقصف لشراء فطوري و عدت أدراجي للساحة حيث يمكنني لقائهن. أخبرتني المستخدمة أنهن مضين في سبيلهن فلم أتمالك نفسي أن أسألها، ما الذي حصل؟ جرت العادة أن يعثن في بلاط المدرسة فساداً قبل خروجهن؟ لقد كان فوزاً مخزياً.

التحدي الخامس: تجاهل المديرة طيلة اليوم أثناء العمل و التفاعل معها في الدقائق القليلة صباحاً و ظهراً. يظن البعض أننا نبحث عن المشاكل، حتى والدتي كانت تظن ذلك. لكن، الواقع أننا بالتجاهل و الانغماس في أعمالنا الأخرى نبتعد عن المشاكل قدر الإمكان. و ليصبح التحدي أكثر صعوبة، تقوم المديرة بإرسال طلب باسمي على إنفراد و ظننت أنها ستطربني بسمفونية الإرشاد من جديد. حتى أعلمتني ريدا أنها أرسلت في طلبنا نحن الاثنتان، معلمات اللغة الإنجليزية. الفوز كان لنا، أقرب للهرب لكنه انتصار. و في نهاية النهار علمنا سبب الاستدعاء، “المدرسة للتقبيل، هناك انتداب جديد“.

التحدي السادس: لم يكن مني بل كان التحدي العنبري: “لا تجعل الله أهون الناظرين إليك” عبارة مذهلة، قوية، عميقة اقتبستها عنبرة و ألقت بها على مسامع رأس المدرسة قبل الانصراف، وكانت ردة الفعل مؤسفة و مبكية. تمنيت عتاب عنبرة لأنها أثبتت لي بتحديها هذا بعض الحقائق. لا يمكن التعامل بعمق مع عقول سطحية و ضحلة. الفوز بالطبع كان للعنبرة، فوز نكهتهُ مـُرة.

التحدي السابع: تحدي النفس الأمارة بالسوء. من أبرز العيوب التي قد تتواجد في المرء، عدم تقبله خطأ الآخرين سواءاً عرضاً أو عمداً. وهو من العيوب التي أعاني منها. لا أشمت أبداً و لكن اعترف أنني لم أشعر بالأسف لوكيلة المدرسة التي فقدت زوجها. وذلك بسبب تعريضها المتعمد لجميع المعلمات لذلك الألم منذ بداية العام. ورغم عدم تقبلها لا يمنعني هذا من أداء واجب العزاء و لا يضعني في مقعد النفاق كما أتمنى. هي مجاهدة للنفس التي تحثني على التراجع، وهزيمتها بتطبيق حق من حقوق المسلم على أخيه المسلم. دعمنا بعضنا البعض، و اتجهنا جميعاً بعد الدوام لمنزلها. أجمل الفوز هو الفوز الجماعي.

التحدي الثامن: الذاكرة الرديئة و التوثيق الأسوأ. تم آداء صلاة الظهر في إحدى مساجد المحافظة. وهو أمر لا يحدث في الـدوام الصيفي أبداً. عدا هذا الحدث لا أذكر بالضبط مجريات بقية يومي. وجدت في مسودة يومياتي العبارات التالية: : “ابتعت الغداء” “لم أذهب للسوبر ماركت، ذهبت للبقالة” “ذهبت لمكتبة نسخ” “توجد لفائف في شعري“. جميع تلك العبارات لا أصدق أنها أمور قمت بها. يجب أن استيقظ و أفقأ فقاعتي و أتحرى الدقة في توثيق حياتي.

.

.

إقرأ من البداية: Day One 

Advertisements