اليوم الخامس و العشرون

السبت: الخامس عشر من ذو القعدة 1431هـ

الأسبوع الخامس

يوم مراهقة حرة

ز

ز

انتكاسة جميلة: اليوم أريد أن أعود لتلك الفتاة التي تبلغ من العمر خمسة عشر سنة. “مراهقة حرة” أرفع صوتي بالحديث، لا أهتم لما يظنه الآخرون حين أبتسم و أضحك، أقلق على مظهري باستمرار، أقفز من مكاني بحماس، أرقص على أنغامٍ أهمهم بها في رأسي، و حتى الغداء أعده بخوف، وتذمر، و مقادير دقيقة. وحين أريد أستطيع العودة من جديد إلى تلك السيدة الثقيلة المتزنة الواثقة، هذا إن كنت أريد. لم يسبق أن حدث هذا معي من قبل، أن أضرب عن العمل لمرات متتالية و في مدة قصيرة جداً، أقل من شهر و ها هو الإضراب السادس. تجد ذاتي الناضجة تعاتبني و مراهقتي الحرة تشجعني فأردد: “Whatever!“.

باءت بالفشل: أعتقد أن للحمى التي تعرضت لها إجازة الأسبوع الماضي هي السبب في اهتياج مكنونات نفسي و عودتي الغريبة لهاوية المراهقة الخطيرة. أحببت طبيعتي الشقية العابثة المضطربة، أحببت الشعور بالقلق للأمور التافهة جداً و النظرة بتهويل و تحوير لواقع الأمور. كيف يمكنني الاستفادة من مزاجٍ متقدٍ كهذا؟ الذهاب للسوق، ربما يمكنني ذلك، هل أبحث عن رفقة؟ والدتي أو إحدى أخواتي؟ أحصل على قطعتان بسيطتان للشتاء تتناسب مع احتياجاتي للأشهر القادمة، نتناول القهوة، و ربما العشاء. تجولت قليلاً في منزلي فوجدت أن البقاء هنا مضيعة للوقت. أشعر بالرشاقة و لن أهدر هذه اللحظات بالجلوس. اتجهت إلى منزل والدتي لعل و عسى أجد مزاجها مستعداً للعبث و اللهو أيضاً. “لن نذهب للسوق، لأن أبا العز بحاجة للسيارة كي يقضي أموره الخاصة، من دراسة في معهد اللغة وصولاً لإجراءات الابتعاث القادم“. هل يمكنكم تخيل وجهي بعد سماع هذا الخبر من والدتي؟ أضيفوا إلى تلك الصورة خلفية صوتية بصدىً و لغة هندية:”نهيييييييي!“.

من زود القهر: فجأة يخطط أبناء العم تناول العشاء في الهواء الطلق، السمر على ضوء البدر. الهواء عليل و الرياح شديدة و أنا بالكاد تماثلت للشفاء، و أصابني الخوف من تعرض أبنائي للمرض أيضاً فتطوع زوجي العزيز، شقيقهم، و انضم نيابةً عنـّا إليهم. اعتذرت عن الذهاب وفي القلب حسرة، و رغبة في الاجتماع معهم و أمل أن أعوض هذا اللقاء قريباً. و هكذا أصبحت لوحدي من جديد، كأنثى ذئب تعوي لضوءٍ أبيضٍ ناصع لوحدها ظناً منها أنه البدر.

خطة بديلة: إن لم نستطع الخروج للتسلية، نجلب التسلية إلينا. حمداً لله أنني جلبت معي بعض العدة و العتاد الغير معتاد. تأملت والدتي ذلك الكيس المزدحم بقلق فهي تعرف حالات الجنون التي تجتاحني. أخرجت الأدوات و المساحيق واحدةً تلو الأخرى و لعبنا كالمراهقات. مكواة الشعر التي ابتعتها في رمضان، هي أكثر ما أعجب والدتي من الأدوات. وفكرة من هوليود مقاديرها الماء و بيكربونات الصوديوم كإضافة في عالم العناية بالبشرة. برعاية قوينث بالترو.

غيبوبة يقظة: حجزت وقتاً للفتيات الصغيرات من أجل جلسة بوديكير و مناكير، لكن للأسف خلدن للنوم باكراً هذا المساء. عندها فقط استيقظت أخيراً من غيبوبتي لأدرك أن غداً، الأحد، دوام مدرسي، يا أحلامي الوردية البريئة ما أشنع الواقع وهو يمزقك أمامي. ارتدت فضاء المزعجة عباءتها لتعود و توجب أن تدفع أجرة إيصالها للبيت. تلك الأجرة التي كانت عبارة عن تلوين بعض الأعمال التي يشارك بها أخوتي “المراهقون” في إحدى المنتديات.

خطوط و لفائف:مسابقة الخط الجميل“. تلك اللفائف في بدايات الحروف و نهاياتها، أتذكر تماماً كيف كان خطي آنذاك مثيلاً لخط أخوتي الآن، إنها سمة سائدة كما يبدو في خط اليد في تلك المرحلة العمرية. تكثر زخرفة الحروف و صعود الكلمات و هبوطها دون الالتزام باستقامة السطور. عرفت الآن مما أعاني، ما هي إلا لفائف و زخرفات في حياتي لن تلبث طويلاً حتى تعود لسابق عهدها المستقيم.

ظاهرة: انتهت تلك الظاهرة العارضة بمجرد وصولي للبيت. وكعودة لواقعي، أصبحت أنفاسي تنقطع بسهولة بسبب الضغط الذي أعاني منه مؤخراً. و كلما تذكرت الأفراد الذين ألتقي بهم يومياً في مقر عملي ابتسم سخريةً لمن أدرك حالتي و من لم يدركها و الكثير من حالات الشك التي اخترت بملء إرادتي تجنب الإجابة عليها. ريدا غائبة أيضاً، يا للمصادفة! لست الوحيدة التي تعيش حالة مراهقة حرة.

قوينث بالترو: المقطع الأول أعلاه، حين تمت استضافتها في برنامج ريتشل راي. المقطع طويل و لم يحتوي على المعلومة الهوليودية التي ذكرتها، لكن يمكنك رؤيته على موقع رايتشل راي، و أذكر أنه يتوجب التسجيل لمشاهدة مقاطع الفيديو.

اليوم السادس و العشرون

الأحد: السادس عشر من ذو القعدة 1431هـ

يوم شكسبيري


اعتذار أدبي: ذات يوم، كنت معترضة على إحدى الرائعات المسرحية لشكسبير، “مكبيث” تلك القصة التي تحكي قصة رجل طمح أن يصبح ملكاً لاسكتلندا فدخل في سلسلة من الجرائم بدأت بقتل ملك بلاده. فكيف لجبان أن يُقدم على ذلك؟ كانت خلفهُ امرأة ، شاركته الطموح ذاته لكنها كانت أشدّ منه شوكة فأخرجت أسوأ ما في جانبه المظلم. ما سبب الاعتراض إذن؟ كنت أشكك في قدرة المرأة على التأثير القوي لإحداث كوارث متتالية. و اليوم أقدم رسمياً اعتذاري لشكسبير و شخصية مسرحيته الأكثر شراً “الليدي مكبيث“. و لنضع في الحسبان صفات الليدي مكبيث و التي تتمثل في ثلاثة أساسية، الطموح، القسوة و التلاعب. و يجب أن نعترف أن في كلّ منّا ليدي مكبث، لكن أن تجتمع بقوة في واحدة لهو شهادة على سير دراما شكسبيرية على قدميها!

ليـُرفع الستار: يرتفع الصوت و يلتفت الجماهير إلى ذلك النعيق الغير مفهوم، يرون تجمهر في زاوية المسرح و بالكاد يستوعبون الأسباب. بدأت الحشود بالتفرق و بدا على الوجوه الانزعاج و لا يزال ذلك الصياح الغير مفهوم مستمراً. ظن المتابعون أنه من حناجر مختلفة لكنها كانت صرخات من حنجرة واحدة صدئة. ظهرت صاحبة الصوت كالجدار على المسرح و وقفت في المنتصف، و ظهر للجميع أنها ذات منصب لكنها بفعلها هذا الصباح أسقطت ذات شأنها أرضاً و مرغتها في التراب.

صولجان الكلم: تتقدمت لمنتصف المسرح سيدة ضئيلة تحمل بيدها صولجاناً قصيراً أسوداً. ظهر على وجهها الانزعاج الشديد من كثرة الصراخ عليها. ارتفع صوت همهمة بين الصفوف، يتساءلون: “أ هذا الصولجان هو سبب الضجيج مع بكرة الصباح؟“. مررت السيدة سوسو الصولجان إلى يديّ فتاةٍ شابة و ابتدأ عرضٌ قصير به أقوال و تراتيل. لكن الجمهور لم يمنح ذلك العرض اهتماماً بل كانت الأعين تنتقل بين الحنجرة و الصولجان، و جرت مقارنة سريعة، تلك الحنجرة من دمٍ و لحم، صاحت على الجموع بقسوة و تحقير و كأنهم أطفال عُـصاة و ليس أعضاء هيئة تدريس! و ذاك الصولجان، كتلةٌ من حديد، يَبثُّ للآذان أعذب الآيات و أجمل العبارات. أصبح جلياً للجميع سبب إعراض ذات المنصب لحمل الصولجان أو استخدامه. لقد تمكن ذاك الجماد بما عجزت هي عن القيام به، “القول الطيب“.

حجر صحي: ارتفعت الأصوات من جديد و لكن ليس صياحاً أو نعيق. كان السعال و الرشح هو الإيقاع الطاغي. و احمرت العيون، سالت الأنوف و تغيرت الأصوات! اقتحمت الحجرة فتاة ممتلئة تبدوا أكثرهن صحة و قد ظهر للجمهور إتقان الممثلات لنظرة الحسد التي رمقوا بها فضاء. بادلتهم فضاء تلك النظرات و سألتهن: “هل نسيتم الشهور الماضية التي كنت فيها أسيرة المرض بينما تنعمتم بكامل صحتكم؟ هل حدث أن رمقت أيًّ منكن بهذه النظرة؟” طأطأت الرؤوس و حبس الجمهور أنفاسهم لظهور طاغية جديدة على المسرح، و فجأة علا الضحك و فهم المتابعون أن فضاء و زميلاتها يمزحون. اقتربت من فضاء واحدةٌ منهن و بدأت موجة استفزاز عجيبة، فتحول المشهد المرح إلى جولة تصريحاتٍ مزعجة، تغيرت ملامح فضاء مع كل كلمة تتلقاها ثم أعرضت عنها و وجهت كلامها لجمهورها: “كيف بالإمكان أن أتعامل مع هذا النوع من البشر، تلاحقني في كل مكان، تستفزني بأسوأ الكلام، تفاتحني بمواضيع لا أطيقها، وحتى حين أصارحها بأني لا أرغب في الحديث، تتابع عني و عنها! تلك هي الكابوس!” تنهدت بقوة و تنهد الجمهور معها ثم شمّرت عن ساعديها و كأنها ستبدأ العراك مع كابوسها المتحرك، إلا أنها حملت كتباً تبغضها أكثر و خرجت من المسرح.

ضحايا صغار: المسرح و أصبح أكثر نوراً، حتى الممثلات اللاتي ملئن المكان، كنَّ أكثر مرحاً، أكثر تنظيماً و أصغر سناً. أتى صوت فضاء ثابتاً تشرح إحدى النقاط، ثم بحثت في الكتب على المقاعد لتجد إهمالاً في الواجبات. نظرت لجمهورها الذي تحرق لمعرفة ما يضايقها فصمتت و أكملت عملها. وفي طريقها للخروج نظرت إلى جمهورها من جديد و صارحتهم: “أكره نفسي الآن لأنني أشعر بالكره تجاه أولئك الصغار. و الذنب ليس ذنبهم في إخفاقهم، ليس ذنبهم فقط، بل ذنب طاغية حملتني مسؤولية ما لا أعرف إتقانه، و ذنب أولياء أمور أخفقوا في فهم معنى إنشاء أسرة و ظنوا أنه تكاثر و حسب، ذنب معلماتٍ صرّحوا بهذا الكره لهم و عنفوهم بأسوأ الكلمات و بالتالي أصبح الصغار لا يُـقدرنّ مكانة المعلمة، و لا أزكي نفسي، فهو ذنبي أيضاً لأنني استسلمت و سلمت لهذه المهزلة. أكرهني!

ركن القراء: أصبح المكان كالحانة، لا تجد سوى المأكل و المشرب بينما القليل جداً من لزم الجلوس في الأركان ليقرأ. كانت عنبرة من جلست في منتصف المسرح هذه المرة تتأمل فضاء التي عادت من ثلاث جولات فاشلة و جلست منزوية تتصفح أحد كتبها. كان كتاباً للغة الإنجليزية ومع كل صفحة تقلبها تغيرت ملامحها العبوسة إلى استبشار. نظرت عنبرة للمتابعين الذين لا يطيقون صبراً لمعرفة ما يجري، فهمست: “ما الذي تفعله فضاء بكتاب اللغة الإنجليـ__!” و لم تجرؤ على إكمال تساؤلها و السبب أنها أدركت خطأها، أعادت النظر إلى فضاء و الارتباك واضح على وجهها فوجدت نفسها محطّ أنظار صديقتها التي شعرت بتغير الجوّ. لم تتمكن من تحمل الشعور بالإحراج و فضلّت الاعتراف قبل أن تقرأ فضاء عيناها. حاولت أن تصوغ حديثها ليبدو الأمر ظريفاً قدر الإمكان: “آسفة جداً لكن في الحقيقة كنت أقول في نفسي لماذا تعبث فضاء بكتب ريدا؟ هههههههه“. أصبحت إضاءة المسرح خافته و وجدت عنبرة نفسها تضحك وحيدة فصمتت ندماً إذ أصاب تساؤلها مقتلاً. اقتربت فضاء من مكان عنبرة و علّقت: “أحقاً بسبب طموح من لا تستحق منصب الإدارة، قسوتها في معاملتنا، و تلاعبها بالقرارات و الأعمال. أحقاً أصبحت لا أتناسب مع مكاني الحقيقي؟” حاولت عنبرة أن تهون على فضاء: “لست الوحيدة، كثيرات يعانين مثلك، الجميع يُـعاني!” و أظلم المسرح.

مشهد استعراضي: ردّ فعل على قرارات الإدارة الغير مقبولة!! لا يمكن عرض المحتوى بسبب رفض الرقابة للمشاهد الدموية، << فانتازيا مرعبة من مخيلة فضاء!

النهاية السعيدة: و أيضاً لتدخل الرقابة تم تغيير النهاية الدرامية الدموية إلى أخرى سعيدة، فها هي ريدا التي بالكاد تلتقي معها فضاء أثناء العمل، قد عادت و أحضرت معها بعض الحلوى. كانتا قد اتفقتا على الاحتفال بالصديقات الجديدات في المسرحية احتفالاً لائقاً بهن. نصف كيلو من الحلوى الصغيرة الملونة و اللوزية كانت كافية لتعديل المزاج و ختم مسرحية اليوم ختاماً طيباً.

.

.

إقرأ من البداية: Day One 

Advertisements