اليوم الثاني و العشرون

الاثنين: العاشر من ذو القعدة 1431هـ

يوم من الطفولة

الأحاجي: هل سبق و أن كنت تلعب بأحجية مكونة من عدة قطع. و أضعت إحدى القطع الكبيرة. و استمر الحال باللعب بتلك الأحجية فترة من الزمن رغم افتقادك الشديد للقطعة الضائعة. و ذات يوم و دون سابق إنذار تجدها أمام عينيك، اعتلاها الغبار. و كأنها تنتظرك منذ دهر أن تتكرم بالنظر إليها حيث أضعتها. و أول ما تقع القطعة بين يديك تخرج بقية القطع فتجدها تعود أدراجها بصعوبة بالغة و بمجرد أن تلتحم من البقية تجد القطع الأخرى تحتضنها حتى لا تتوه عنهن مرة أخرى. هذا شعوري اليوم، كقطعة أحجية كبيرة تاهت لمدة طويلة و اليوم وجدت الأحجية التي تنتمي إليها.

مسكٌ و عنبر: المعلمات الجديدات طيبتهن كطيب المِسك، لهذا أدعوهن بـ”غزلان” المدرسة و يا له من فألٍ حسن. ردود أفعالهن حول أمور نعتبرها نحن الأقدم مسلمات و شيء عادي، دليلٌ على بيئة طيبةٍ ترعرعن فيها و خرجن منها. ندعوا واحدةً منهنّ “عنبرة” فحضورها عطرٌ جداً. و لها أثرٌ في المكان قويٌ جداً كأثر طعم بذر الهيل في ترمس الشاي الذي حـُفظت فيه القهوة عرضاً. جميع ملاحظاتها ليست حديث الساعة بل أمور مكشوفة معروفة لاحظها الجميع، القديم و الحديث، لكن عنبرة تمكنت من التعبير عنها بشكلٍ مختلف. كستائر السيارة، و ترتيب الأحذية، و كلمات كثيرة من لهجة أهل المنطقة، طريقة لباس المعلمات المخضرمات، الحوارات الحرة في الاجتماعات و حتى تسريح الفتيات لجدائلهن و بعض تصرفاتهن.

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                               

ضحك و دموع: اجتاحتنا موجة من الضحك المجنون في جلسة مصارحة عن الانطباعات الأولى. و أجمل الاعترافات تلك التي نصت على تفضيل الشاي على المشروبات الساخنة الأخرى، وهو ما جعلني أخيراً أشعر بقدرٍ أكبر من الانتماء لجماعةٍ ما. لا أبخس الصداقات السابقة حقها. بل هي المرة الأولى التي لا أرى نظرة الاستنكار في عيون من حولي حين أعترف بإدمان الشاي و هجري للقهوة. “المرة الأولى“!

اليوم الثالث و العشرون

الثلاثاء: الحادي عشر من ذو القعدة 1431هـ

يوم إنسان

أمل: أجمل هدية حصلت عليها اليوم كتاب أخضر بحري “أكوا غامق” احتضنتهُ بقوة رغم مقتي للمحتوى. “دليل المعلم لمنهج الرياضيات المطور، الصف الثاني ابتدائي“. بالكاد منعت عيناي من ظهور دموعها و ابتدعتُ الابتسامة و عبرت بامتنان لعنبرة أرجوا أن يصل شكري لرفيقتها التي أعارتني إياه. إذا انتهى هذا الأسبوع فهي نهاية شهر من الدراسة بدون دليل للمعلم! لكن الكتاب ورق، بينما معلمة أولئك الصغار كانت أنا، هل كنت دليلاً نافعاً لهم في مادة الرياضيات؟! لم يقبل أحد تصوير كتاب بذلك الحجم المهول. ومع ذلك طلبت من زوجي أن يتنازل قدر الإمكان في المبلغ المدفوع و الجهد المبذول بحيث أن لا تتأخر الأمانة عن صاحبتها.

اللعنة: كلمة لا أحبها لكن أعترف أن بعض الأمور التي تواجهها “تتعقد” حتى تخشى الخوض فيها أكثر. تستشعر أن هناك لعنة إلهية قد أصابتها، أو لأجعلها عبارتي أفضل: “الله غير راضٍ عن تسهيل أمرها“. و أعود لأقول: “ليس لي علم بإرادة الله فحتى ما يتعسر هو تأجيل من لدنه، و حين تتيسر فهي توقيتٌ من لدنه“. شعرت في البداية أن تلك الورقة ملعونة. و السبب استمرار الخوض فيها لأكثر من أسبوع. وحين ظننت أن موضوعها قد توقف وانتهى عاد كابوسها يطاردني من جديد. ورقة طلبتها معلمة كانت يوماً ما هنا و ترغب بتسلمها من الإدارة. وما شأني أنا؟ مجرد “ديليفري بوي” لا أكثر ومع ذلك اقشعر جسدي من الورقة الموبوءة و رفضت الإطلاع على محتواها أو ماهيتها. و الآن حين أنظر للأمر بعد أن انتهى، و تسلمت المعلمة ورقتها بسلام. تذكرت قول الله تعالى: “فإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا” سورة الشرح، آية 6. ما شأني أنا فعلاً أن أحكم على أمرٍ إذا تعسر؟ و الله تعالى يبشرنا أن الفرج قريب من عنده ولو بعد حين و بشرانا أكبر أن كل عسر يرسل الله له يسران. اللعنة، كلمة لا أحبها و سأظل كذلك، لن أستخدمها مهما حدث!

فظاظة: أيجب أن يتصرف الإنسان بفظاظة مع الآخرين حتى تتغير الملامح و بالتالي يتغير محور ذلك الحديث. لماذا يجب أن أتحدث يومياً عن سلبيات اليوم قبل أن يبدأ، و نسترجع أحداث العام الفائت و الذي قبله و نعيش لحظة الانفعال و الغضب. ثم ببلاهة نتساءل لماذا نشعر بالإحباط مع بكرة الصباح؟ كان يجب أن أتصرف بأسلوبٍ فظّ اليوم ليعلم الجميع عدم رغبتي في تناول السلبية مع وجبة إفطاري! أظهرت رغبتي “دون كلام” في القليل من الصمت إن لم يتمكنوا من بث التفاؤل و بينت لهم “دون توجيه” أن يلقوا بسلبيتهم في أقرب حاوية للقمامة. خرست الأفواه المتذمرة و انسحبت من المكان نحو مقر حصصي و في محاولة يائسة للتخلص من جرعة القرف التي أجبرت على تناولها، لمحت غياب حاوية القمامة عن مكانها المعهود!

 

شغب: كان يجب أن نغير الأجواء قليلاً فلم أتمكن من منع نفسي من الاستهزاء بريدا. استقبلت القبلة لأصلي الظهر في المدرسة و تناولت حقيبتي الكبيرة لأجعلها سترة بيني و بين من يمر أمامي من الزميلات. فرغت من صلاتي و انتظرت البقية، ولم أستطع تجاهل ما قامت به ريدا. وضعت لفافة مناديل كبيرة أمامها لتؤدي الصلاة و مكتبٌ بحجم الجمل أمامها سُترةٌ لصلاتها و فوق هذا كله لا يوجد طريق ليمر أحدٌ أمامها!! خرجنا من المدرسة و انقلب جو الملل إلى جو ضحك وسخرية من فعل ريدا. نظرتُ لوجوه الغزلان الجديدة و أسأل ريدا بعد أن توقف الضحك لدقائق و همستُ لها: “لا أصدق أنهن لا يعلمن بالحقيقة بعد؟” تأملت ريدا وجهي الذي دلّ على تأنيبٍ عميق من الضمير، “لا أعلم لما هذا الشعور بأنني أكذب كل يوم؟“. << قضية جداً شخصية و مفاجأة أكشفها قريباً جداً لكم. ابتسمت ريدا و لم تعقب فأضفت جرعة جديدة من الشغب، صارحت الفتيات بملاحظتي أنهن ينمن صباحاً بعد الفجر و ينشطن كثيراً في طريق العودة مؤخراً.

تأمل: النجدة! إنها الزكمة.. هجمت عليّ هجوم الأسد الجائع. احتقان رقيق يدغدغني مع شقشقة عصافير هذا الصباح. موجة عطس جافة خلال النهار وعند وصولي للمنزل و أخيراً كنت ككائن نفِق تفوح منه رائحة الأدوية و أتنفس من مجرى الفم بدلاً من مجرى الأنف. كنت لا أتحرك و لا أتكلم و لا أستطيع فتح عيناي. لكنها لحظة غنية بالتأمل. اليوم منذ ساعاتٍ قليلة كنت أسير على قدمي في ساحات المدرسة أتجول بين الفصول و الحصص و أتجرأ في مضايقة ريدا وهي بروح رياضية تجاملني بالضحك. و الآن أنا لا شيء. سبحانك ربي ما أعظمك. كيف كنت تسيرني؟ كيف جعلتني أتنعم بصحتي و الآن رفعت جزءًا بسيطاً منها، فآل حالي لهذا؟ غدوت هكذا لا أتحرك إلا بألمٍ هنا و هناك. هل غفلت قدرتك يا ربي؟ هل تجبرت أو اغتررت بشبابي و صحتي؟ هل مارست سطوة ليست من حقي؟ هل قلت كلمة أنت أحق بها يا ربي؟

 

أغفر لي إن صدر مني ذلك و أهدني و اهدي كل من وقع في خطأي. اجعل مرضي هذا كفّارة يا كريم يا قدير يا منان، أطلبك و أنت أسرع في الإجابة من رجائي. الحمد لله. الحمد لله على كل حال!

.

 

.

إقرأ من البداية: Day One 

Advertisements