اليوم السادس عشر

الأحد: الثاني من ذي القعدة 1431هـ

يوم الحوت الأبيض

وحدة: علاقتي بمكتبي علاقة سطحية جداً فهو مجرد سطح يحمل كتبي و جهازي الصغير. أستخدم الأدراج لحفظ أوراقي، أقلامي، عباءتي، و بسكويتي. لكن لا أجلس عليه و لا أعتبره محطتي. لا أعود لذلك المكان إلا بعد الانتهاء تماماً من الحصص اليومية حتى لو امتدت إلى ست حصص! فهو ليس مكتبي بل ببساطة أنا ضيفةٌ عليه بدعوة من ريدا. و لأن ريدا لا تزال في فترة الغياب الإجبارية بسبب تدهور صحتها. أصبحت تلك الزاوية خاوية تملؤها وحدتي الهائمة. وهو حالي في الساحات، وحدي. و هو وضعي الآن، معلمة الإنجليزي الوحيدة التي بدأت تضمر شخصيتها بغزو فيروس الرياضيات.

القراءات: أحداث اليوم كان محورها جماعة معلمات تخصص “الدراسات الإسلامية” و منهج القراءات الخاص بمدارس التحفيظ. كعادة الإدارة في شقلبة الأمور لم ترضى أي معلمة من الخمسة بقسمة الإدارة للمناهج. و طلبن بإعادة التقسيم من قبلهن و التراضي فيما بينهن و ما على الإدارة إلا التوقيع بالموافقة. كنت قد أخذت مقعدي آخر النهار فلم أشهد من الخلاف و الانزعاج إلا أوجه و استمعت لحوارهن معاً و فهمت أن الإدارة رفعت يد العون و أغلقت أفواه النقاش مما اضطرهن إلى قرار بالإجماع و بعلم الإدارة أنهن سيطالبن بتعديل الأمور من مكتب توجيه المنطقة.

هل الأمر صعب الاستيعاب اليوم؟ حسناً سألخصها لكم: “معلمات دراسات+ مناهج كثير+ توزيع غير سليم لمنهاج القراءات+ إعلام الإدارة برغبة الجميع بتدخل التوجيه+ موافقة الإدارة الفوري+ مشوار بعد نهاية الدوام ظهراً إلى مبنى التوجيه في المنطقة”.

طعامي: منذ الأسبوع الأول في الدراسة لم يكن طعامي سوى تناولت شطيرة و شرب قنينة من الماء. أدعم بعض تلك الأيام بالبسكويت أو العصير لكن هذا يعني (لا) لوجبة الغداء. ذبل وجهي مؤخراً، و استهنت بتناول أقراص الكالسيوم و الحديد الموصوفة لي. و ذلك التغيير كان جلياً للجميع، حتى أن إحداهن صارحتني بأن وزني في نقص واضح. ضحكت من تعليقها بملء صوتي قائلة: “أخبري طبيبتي بملاحظتك! فهي ترى العكس تماماً.“.

أختي الصغرى: أتذكر بعض المعلمات ذوات الخبرة التي امتدت من 8- 10 سنوات حين كنت مستجدة في عامي الأول. كانوا يكرهون من ينظر إليهن كأختٍ كبرى و يفتقرون للروح الرياضية. و إنكار صريح و عنيف لحقيقة أن هناك فرقاً في العمر لا يمكن إغفاله. لا أزال أذكر تغير العلاقة الجذري عندما صارحت إحداهن بإعجاب: “أتمنى أن أصبح مثلك عندما أكبر!” كانت عبارة عفوية مني لكن نلت جزاءً مؤلماً منها لأنني لم أكن أعرف وقتها أنها من عبارات “الكفر المخرجة من الملة“. لذلك ليس غريباً الآن حين أرحب بجميع المعلمات الجديدات كأخواتٍ صغار، لا أريد أن يواجهن ما وجهت. فمنذ عامين كان لقبي “أم فلان” و الآن و للعام الثاني على التوالي لقبي “جدّة فضاء“. تذكرت من معلمات العام الفائت من كنّا ندعوها “أصغر القوم” سليطة اللسان بصورة تعجبكم، صريحة الكلمة بصورة تجعل المرء يحتضنها و يشنقها و يضحك. ومن عباراتها لي العام الماضي: “راحت عليكِ، أو لا يناسب عمرك!” أكتب لكم هذه العبارات و أنا أضحك. فلو وقعت بصراحتها النقية هذه في مخالب من عرفتهم قبلاً، هل كانوا سيتذكرون أختاً صغرى و يضحكون؟

العمر فناء، لا يستحق هذا العناء، بل يستحق الإعمار في الدنيا و الشكر و الثناء، و السعي للآخرة و العمل و الإخاء”  فضاء

إثبات: حلّ الظهر، و ها هي سيارتنا تقف خارج مبنى مكتب التوجيه. تناولت الهاتف للاطمئنان على “أصغر القوم” و الاتفاق معها على بعض الأمور. المكالمة سلسة، مهذبة، معرفة بالأخبار و يظهر لي صوت الفتيل يشتعل، و ما هي إلا كلمة كالمفرقعات انفجرت في أذني و تغير وجهي و بدأت الأعين التي حولي ترمقني و أنا أبحث عن رد فعل لطيف. قالت بشفافية بحته و صوت ممتزج بالشقاوة و الدهشة: “يوووو يا فضاء صوتك و كأنك تخنانة!“. تقول: “يوووو!” و كأنها تشاهدني عبر الأقمار الصناعية فابتسمت ثم ضحكت و عقـّبت: “نعم تخنت، لدرجة أصبحت كالحوت الأبيض في السيارة من شدة الزحام الذي أحدثته للمعلمات“. ما باليد حيلة، حفيدتي و عليّ احتواءها. هل هناك دخان بلا نار؟ بالطبع لا و كلام “أصغر القوم” له أسباب قوية جداً، أطلعكم عليها قريباً. كيف انتهى يومي هذا؟ بجلسة بوديكير و مناكير لابنة أختي التي لم تتجاوز العامين في سهرة خفيفة في منزلي.

  

 

  

 

اليوم السابع عشر

الاثنين: الثالث من ذي القعدة 1431هـ

يوم اجتماعي

يوم إضراب رابع: غياب آخر هل يذهب سدىً. أنا أخرج للزيارة حتى أيام الدوام. لا أريد أن يكون العمل سجني الوهمي. لا أريد أن أفقد حياتي الاجتماعية أو الترفيهية أو حتى تنمية ذاتي المتواضعة بقراءة أو اطلاع أو بحث. أطمح أن أشارك ولو عبر الإنترنت باستفتاء أو مشاهدة فيديو، فيلم، إبداع و تأمل فكرة، عبرة أو صورة!!

 

آه لو يعلمون: لو يعلم الرجال أن صمغ العلاقات الاجتماعية و وصل الأرحام أساسه النساء، لما اعترضوا على جولات التسوق العاجلة. أولى واجباتي لنهاية الأسبوع، زيارة ريدا، وكنت قد اشتريت لها مسبقاً هدية رمزية بسيطة بمناسبة مرور عامٍ بيننا. و بعد مرضها المفاجئ أصبحت زيارتها واجبة، “يجب أن أخرج اليوم“.. “إلى أين؟” “إلى السوق، أود شراء بعض الهدايا“. لم أجد اعتراضاً من زوجي، ربما لأنني لست من هواة التسوق لساعاتٍ طويلة. فكان لي ما أردت. و لمدة لم تتجاوز العشر دقائق وجدت مجموعة عطر، لطيفة، مغلفة و جاهزة بالألوان التي أريدها، سبحان الله. هي قليلة في حق ريدا فهي تستحق أكثر و الله.

 

مقلب اجتماعي: سمعنا صوتاً منذراً ونحن بصدد  المغادرة، صوتاً جهورياً يناديني بحدة: “يا بنت! يا بنت“. التفتنا إليه سريعاً و بالكاد تمكنت من تركيب الملامح في خلايا عقلي الخرِفة << يا شين الخرعة في الأماكن العامة.  و إذ به أحد أخوتي الفتيان يلعب معنا بإحدى مقالبه. اتجهت لشراء القهوة و لفائف معجنات القرفة، “أنت لا تحبين القهوة؟” تساءل زوجي فأجبتهُ “نعم، لكن هذه لأمنع نفسي من إضراب يومٍ آخر“. ذاك ما كنت أتحدث عنه مسبقاً، الواقع الاجتماعي الذي ننعزل عنه بسبب العمل أحياناً. لا أريد أن أفوت لحظة جميلة كهذه، لقاء عابر بيني و بين أخوتي في مول تجاري. عيادة المريض، مباركة المولود،  أو زيارة منزل أقاربي بدون أن يكون هناك مناسبة أو داعٍ.

 إضافة: كاريكاتير لحالة شعري مؤخراً.

اليوم الثامن عشر

الثلاثاء: الرابع من ذي القعدة 1431هـ

يوم ترقب

يوم عادي: من الأيام التي تسقط في بئر النسيان لأننا نظن أن لا شيء مهم حدث. وهو في الغالب من زاويتنا نحن فقط، لأن روايات الآخرين تكون مختلفة جداً. معلمة مكتئبة، أخرى مطبقة الجبين، ثالثة لا شأن لها بما يدور حولها، و أخيرة صمتت و ملامح وجهها تنبئ بهبوب عاصفة الغضب القريبة. معلمات الدراسات الإسلامية في ترقب لرد فعل منصف من مكتب التوجيه. عني أنا، طلبت يائسة من المعلمات مساعدتي عن طريق معارفهم في المدارس الأخرى في إيجاد دليل المعلم الخاص بمادة الرياضيات، و السبب عدم توفره في المدرسة و عدم قدرتي على الانتظار أكثر حتى يصل. أخذت دورة سريعة من المعلمات المخضرمات عن كيفية تقويم طالبات الصف الأول و متابعتهن. أقبلت معلمة علاقتي بها سطحية جداً وقت استراحتي و طلبت مني أن أضمّ صوتي إليها و نقدم شكوى لمكتب التوجيه، وبدلاً من أن أصرّح لها عدم ثقتي بذلك المكتب في الأساس أخبرتها لأفاجئها بردٍ جديد: “لا شكراً، أنا الآن في مرحلة رضى بالمقسوم! إنها نهاية الأسبوع الثالث، أعددت أوراقي، و متابعة طالباتي، و كتب المعلم في الطريق، لن أفسد الأمور على نفسي، الآن!!“.

لا تكن ليناً فتـُعصر: انتقي معاركك، و لا تسر خلف كل معارضة أو تتصدرها دون أن يكون منبعها منك و منفعتها إليك! و لا أدعوك للأنانية البحتة لكن احذر أن تكون لعبةً من الخشب بين يديّ مستغليك. ولهذا السبب صددت بأدب عن المشاركة التي عُـرضت عليّ قبلاً في تقديم الشكوى. يجب أن تعي أن هناك من يدعمك حتى النهاية. و هناك من يرمي بك كطعم و يكون أول من يدير ظهره إليك! افهم طبيعة البشر، و عاملهم بالتي هي أحسن، و لا تكن طيباً جداً فيستخف بك الجميع! من الجميل أن يضع بعض الناس بجانب اسمك علامة “إكس”، كن صعب المنال و لا تسرف في عطاءك لتتمكن يوماً من منح نفسك لمن يستحق!

اليوم التاسع عشر

الأربعاء: الخامس من ذي القعدة 1431هـ

يوم ماث_مير

طموح: لطالما حلمت أن أعود لمقاعد الدراسة من جديد، أريد أن أعود طالبة يُطالبني الآخرون و يغرقونني بالبحوث و الواجبات. حتى أنني سعيت لحضور دروس الصيف في الجامعة هذا العام و لم تفشل تلك المحاولة إلا بسبب دوام العودة المتخلف للمعلمين و المعلمات الذي يلي مباشرة فترة الاختبارات النهائية! دوام إجباري لمدة ثلاث أسابيع لا تتم فيه أي أعمال من أي نوع مجرد تسجيل حضور في مقر العمل و إبعادنا قدر الإمكان عن منازلنا، أبناءنا و التزاماتنا الأخرى. عموماً، كنت أخطط لدراسة باللغة الإنجليزية، نوع من التقوية و إعادة إشعال لهب الهمة. ولو تمكنت من سرقة الوقت في فرص أخرى قادمة سأسعى لذلك بكل تأكيد، إذا الله شاء.

صفعة واقع:يجب أن تأخذي دورة جنباً إلى جنب مع دليل المعلم لمنهج الرياضيات المطور“.. شهقت أتلعثم بكلامي “ده.. ده.. دورة في الرياضيات؟ هذا اللي نقص و الله!!“. كادت أنفاسي تنقطع، دورة في الرياضيات، شعرت بالدوار و الحزن و رغبة عارمة في الصراخ و تحطيم ما حولي و الاستسلام للبكاء. كأنك تطلب من رائد فضاء، دراسة و تطبيق حفر المناجم و الأنفاق! و لا أقصد بحديثي هذا أيّ إهانة لمعلمات الرياضيات. فهن معلمات لهنّ قدرهن في نطاق التعليم و أكنّ لهن احتراماً لا يوصف. فكونهن قادرات على المضي عاماً بعد عام مع الطالبات المتهاونات و غير المدركات لأهمية هذه المادة أمرٌ مذهل. تزداد في عيني جمالاً تلك المعلمة فهي رمز لسرعة البديهة و شخصياً أنظر إليها باعتزاز و فخر كلما تمكنت من مادتها أكثر و أكثر. أتمنى أن أشارك صرخاتي مع العالم أجمع، و أن يكون أول من يساندني معلمات الرياضيات!!

حفرة و دحديرة: إذا كنت قد تعرضت لصفعة هذا الصباح فغيري يتعرض للركل يومياً. و إذا كنت أرى نفسي على شفا حفرة فغيري وقع في تلك الحفرة فعلاً و منها لدحديرة و يا قلب لا تحزن. بهذا اليوم ينقضي الأسبوع الثالث بلا رجعة من سير الدراسة، و اليوم تم اكتشاف مادة من مواد الدراسات الإسلامية من قبل وكيلة المدرسة، فكيف تـُصرفها دون أن يكتشف أحدٌ الفوضى العارمة في مكتبها؟ ألصقتها بأقرب معلمة دراسات مرّت بجناح الإدارة، مع نفحةٍ سامة من الفتن! لم أعد استطيع تحمل تلك الحماقة، “اغفر لي يا ربي“. سكوتي و أنا أرى هذا الهراء، هذا الهراء المقصود به إيذاء البشر، لا يمكنني السكوت عنه أكثر، أصبحت منذرة ناصحة منبهة و دائماً في حالة فوران و استنفار، فات الأوان لا يمكنهم إيقافي. نصيحتي نصّت على “الحذر من أحد قطبي الإدارة“، و لم أتهاون في قولها بعباراتٍ صريحة. خاصةً أنّ من أعنيها ليست جيدة فقط بل الأفضل في إيقاع الفتنة بين المعلمات من أصحاب التخصص الواحد. وهو ما أثارني أكثر، فكما قلت سابقاً و أكرر لكم: “أتقبل الإهمال لكن لا أقبل إلصاق التّهم و التقصير بالآخرين!!” و لقد شهدت من تلك الأعمال المدمرة العام الفائت مما أدخل بعض الأفراد بجدارة في قائمة المحظورين لديّ، القائمة السوداء.

نهاية الأسبوع: أيّ خطط؟ نعم بالطبع 🙂 أخطط لزيارة ريدا، سآخذ معي هديتها، سأرى رفقة العام الماضي و من بينهم “أصغر القوم” فيديّ مشتاقة لمصع رقبتها الصغيرة.

 

إضافة: كاريكاتير لشوقي لجهازي القديم الي كنت أقرأ من خلاله تغاريد الصباح في تويتر.

*تويتر إجازة نهاية الأسبوع*

 

“الفلاش باك” زائد معي هذه اليومين. فجأة و أنا أفتح الثلاجة، أشرب شاي، أنام أو حتى أتوضأ. تهجم عليّ تلك الذكريات المزعجة بدون علامة أو سبب.

ما لا يقتلني يجعلني أقوى = اللي ما يقتل يسمن* (الأولى مصدرها الكتب،و الثانية مصدرها والدتي). *يسمن: يجعلك أتخن و أكثر صحة!

في مقر العمل هناك المتذمر، الباكي، الشاكي، المستشير، و هناك من يفضفض فقط. أيّ منهم تتعامل معه باهتمام و أيّ منهم تصد عنه ولا تبالي؟

فعلاً التفاؤل يجيب نتيجة..أخذت الأمور بروية و ما استسلمت و كنت في قمة التفاؤل و حصلت على ما أريد و زيادة. الحمد لله حمداً كثيراً.

 

*أخبار*

الجمعة الخامس عشر من اكتوبر 2010 يوافق يوم التدوين العالمي

Blog Action Day

.

 

.

إقرأ من البداية: Day One 

 

Advertisements