اليوم الثاني عشر

الاثنين: الخامس و العشرون من شوال 1431 هـ

يوم أشهب

تعلمت، فتمكنت: يمكنكم أن تخمنوا قدر الحماس لدوام هذا اليوم. وهذا طبيعي لمن أخذت استراحة البارحة. يبتدئ يومنا باجتماع سريع مفاجئ بدلاً من الحصة الأولى. راجعت جدولي و شعرت بالاطمئنان حين وجدت أنني لن أفقد أيًّ من حصصي بسبب الاجتماع. سار الاجتماع السريع على خطى السلحفاة و حصلت على نصيبي من العتب الصباحي وسط الجماعة، فأثبتت أنني من العام السابق تعلمت، فتمكنت من التملص من هذا العتب بذكاء. وهذا حين عاتبتني مديرتي أنني لم أهاتفها صباحاً لتوضيح تصنيف غياب البارحة، و على هذا الأساس لا يحق لي تقديم أي تقارير و يحق لها رفض تقاريري إن وفرتها. فأجبتها بثقةٍ و صدق: “لقد هاتفتك أستاذتي، لكن هاتف المدرسة مشغول و هاتفك الجوال مغلق، و التقرير معي! ما ذنبي إذا كان جهازك مغلق؟“. لم تتمكن المديرة بفضل الله و من ثم ردي هذا أمام الجماعة من تطبيق قرارها التعسفي، و خرجت من هناك أحمل أوراقاً، منها تحويل طبي، و أخرى قرطاس سجلت به رقم جوالها الجديد.

دفء بطانيتي: إحدى الزميلات تعرضت لوعكة صحية شديدة الخميس الماضي، وهي من رفيقات العام السابق أيضاً. كانت قائدة لجماعة “Ladies Whatever” التي أُنشئت العام الماضي و لم يبقى منها سوى عضوين، ريدا و أنا. جميعنا نشعر بالاكتئاب قليلاً بسبب الخروج المتأخر من المدرسة إثر الحصة الثامنة. زاد من كآبتنا خبر غياب ريدا الذي سيمتد طيلة هذا الأسبوع و الأسبوع القادم أيضاً. قررنا كنوعٍ من العبث المحمود تسمية بطانيتها “بالشهباء” خاصةً أننا نشاكسها دوماً ببطانيتها السابقة الخفيفة “المقدسة“. ونظر الجميع إليّ أضم بطانيتي و أمرغ أنفي فيها حباً و يتساءلن: “ماذا عنها؟” فقلت: “هي الغالية“. فاعترضن لأنها غاليتي وليست غاليتهن. و بقيت بطانيتي حتى نهاية الدرب تستفز الجميع بلا مسمى.

أثرها كالصدأ: البيت كم اشتقت إليه.. تناولنا الغداء و ذهبت للنوم لأستيقظ على ضجة العامل يبدل سخان الماء الذي قرر التلف فجأة. “لا يمكننا استقبال الشتاء بدون سخان الماء!” كان هذا تعليق زوجي فعقبت “أنا لا أستغني عنه لا صيفاً و لا شتاء!“. يا لهذه الفوضى التي خلّـفها العامل والسخان الصدئ وراءهما لكنها كانت فرصة جيدة للمشاركة مع أبنائي في التنظيف. تأملت بقع الصدأ التي تركت أثراً قوياً على أرضية الحمام فكم كانت شبيهةً بأفعال و أقوال كل من أساء إليّ دون سببٍ حقيقي. كانت أسبابهم في العادة غيرة، حقد، شعور بالنقص أو أشياء أخرى لم أكتشفها بعد.

فوق: مساءاً تذكرت أنني لمدة طويلة لم أهاتف أخي في الرياض حين رأيت اسمه يظهر على شاشة جوالي. فاجأني أنه في المدينة و يرغب في زيارتي لتناول الشاي. لاحظت كم كان مشتاقاً لطعام خفيف من طهي المنزل فلم يطلب سوى المتواضع من الطعام على العشاء. تمنى الترفيه فطلب فيلم أيّ فيلم فانتقيت له الفيلم الوحيد بحوزتي و الذي تكرمت بإعارته لي ابنة خالتي. فيلم دزني و بكسار  “UP!“.

أطلعكم على حقيقة أؤمن بها بعمقٍ شديد. أنا أؤمن بـ”الإشارة” و يزيد إيماني بها حين أطلق بأمر الله سمعي و بصري و حبي و إحساسي لأشياء معينة نسميها نحن البشر “محض الصدفة” هذه الصدفة علامة منه سبحانه و درس خفي أستشف منه عبرة تخدمني في حالي أو مستقبلي.

 

وجود أخي، مشاهدة هذا الفيلم بالذات هي إشارات عليّ أن أقرأها و أفهم فحواها. وفيلم العائلة هذا الذي أراد الله أن أمسح عنه الغبار و ألقي به في محرك الأقراص و أتابعه كان كنزاً من العبر بالنسبة لي. “نضال” “تحدي المستحيل” “وفاء بالوعد” “امتنان” “كنز الذكريات” “لا عمر للمغامرة” “تقديس الأمنيات” “إخلاص في العمل“. لا أعلم إن لاحظ أخي تأثري الشديد مع أحداث الفيلم فقد كنت بالكاد أشاهد و أضحك. لأنظر قليلاً من زاوية أخرى لحالي: لم يضع أحد العقبات أمامي و إن حدث فقد استسلمت لها سريعاً. عندما تعطل السخان أبدلناه سريعاً بآخر جديد، لماذا لا أبدل همتي الصدئة التي أثبطتها الظروف بأخرى أقوى و أجرأ و أكثر صبراً؟ “أستطيع ذلك، نعم بإذن الله أستطيع“.

*شهباء: بطانية ريدا الجديدة فاتحة اللون كالتراب الأصفر المائل للدرجة الغامقة. ويمكن أن يرمز اللون الأشهب للصحراء التي نغزوها صباحاً و نعود أدراجنا عبرها قرابة المساء. وهو لون تعرفت عليه من صغاري الطالبات حين سألتهن ذات مرة: “ما لون المسواك؟” فأجبنني بحماس و لهجةٍ بدوية بريئة و ألف ممدودة: “آآآآشهب يا أبلة“.

** المقدسة: هي بطانية مخضرمة من العام الفائت قاتمة اللون كثوب راهبة. زاهدة الوبرة كصوفية و السبب في تسميتها كذلك أن ريدا كانت تقرأ الأذكار صباحاً بعد الفجر فألحظ عليها تمسح بدنها بيديها بعد أن تنفث إتباعاً لسنة المصطفى، و تمسح على بطانيتها كذلك، فأسميتها: المقدسة. 

 

 

 

 

 

اليوم الثالث عشر

الثلاثاء: السادس و العشرون من شوال 1431هـ

لون بقري

البقرة: ما لون البقرة؟ “مبقع” “بني” “أصفر” “أبيض” “أسود” “أحمر” أطلق لمخيلتك العنان بينما أحكي لكم هذه الحكاية. في هذا الصيف كنت أتبضع لفترة مناسبات الزواج. و قمت بشراء فستان “بصلي” اللون كما يسميه الباعة وهو ليس إلا درجة أكثر أنوثة من درجات الوردي و أبعد عن درجة الفتيات الصغار. المهم، تتصل شقيقتي بي لتعرف إن وُفقت في الشراء فبدأت أخبرها بالألوان، أبيض، تفاحي، بصلي! فطلبت أن أكرر الأخير فأعدت عليها “بصلي” فتلعثمت وهي تحاول تكرار ما سمعت “كيف لون بقري؟” فثارت ثائرتي في الهاتف “بقري في عينك! بصلي يا بنت، بصلي من أونيون، أونيوني= (onioni)، أقرب للوردي مش بقري، الله يسامحك!“. انفجرنا بالضحك من هذه اللخبطة وحتى لا تطويها صفحات النسيان لا يزال يُطلق على ذلك الفستان “فستان فضاء البقري“.

مسكن موضعي: مرت أحداث هذا اليوم مرور الكرام. أو ربما أردت الشعور بذلك. المنغصات موجودة لن تتلاشى ما بين يوم و ليلة لكن يمكننا نحن أن نتجاهلها حتى نتمكن من العيش براحة من القلق حول أمور ليست مهمة. الحال أشبه بمن تلقى حقنة من مسكن موضعي قوي، جرعة سحرية. لكن أعتقد أن يومي هذا قد مرّ به الجميع. حيث تزيد الجرعة السحرية فنصبح نغفل الكثير من المشاكل و تغدوا ردود أفعالنا فيها ساذجة لأبعد حد. “لا نلقطها طايرة و لا ماشية“. لحظات كلها تنميل و ضياع و تلاشي للإحساس و لا مبالاة، تجعل الجميع ينظر إليك تشك بأنك “فظ” بينما أنت أشبه ما يكون وقتها بـ >> ونحرك النقطة قليلاً “قط مبنج“.

زفاف الثلاثاء: لم تعد المناسبات حكراً على إجازة نهاية الأسبوع. و المسببات كثيرة أبرزها أن جزءاً كبيراً من إجازة الصيف أصبح من أيام شهر رمضان. لذلك بدأت المناسبات في الزحف تجاه أيام أخرى كالأربعاء و الثلاثاء و أصبح المدعوون لا يتعجبون أو ينفرون من ذلك. اليوم كان حفل زفاف ابنة عمي الصغيرة التي تخرجت للتو من الثانوية و ارتضت الزواج في سن مبكرة. أتمنى لها السعادة من كل قلبي. بدأت أشعر بالواقع أكثر بعد ابتعادي عن مدرستي و حين حملت نفسي و صغاري و اتجهت لمنزل والدتي. الواقع الذي يفرض عليّ الاستماع لنقد الجميع وكم يعجبني ذلك. أحب أمي أكثر حين تفرط في نصحي أن أتقن لفافات شعري و أتقن خطوط مكياجي و يحتدم صوتها وهي تفعل ذلك. وقتها فقط أعلم أن كل تبريراتي و شروحي ليس لها أذنُ تصغي فألتزم الصمت المطبق و أستمر في العمل و لا ضمير يؤنبني. أعلم تماماً وقتها أنني لست محور ارتباكها أو غضبها أو احتدام حديثها، أعلم أنها أمور خفيّة تجبرها على التصرف هكذا. “كم هو ممتع أن تتفهم و تفهم طبيعة أمك! يعطيك هذا الفهم شعوراً جميلاً أن الأيام الماضية التي عشتها لم تذهب سدىً. فأن تكون لأمك كإسفنج المطبخ التي تمتص غضبها فتبدو جافة جداً بينما هي رطبة، يا له من انجازٍ عظيم“.  شقيقتاي الوحيدتان اللتان تتعرضان لموجات اعتراض حين يُـشرن إلىّ أن أضيف اللون الأحمر على ظلال العين. “أحمر؟ على جفن العين؟ و أنا أرتدي فستاناً بقرياً؟ الله لا يوليكم على باليت ألوان“. النقد و الاعتراض و الصمت و الصراخ في نطاق أسرتي ينتهي دوماً بالضحك حتى تتساقط من الأعين الدموع. وهي نعمةُ عظيمة أحمد الله عليها ليل نهار.

 

فضاء: زُفت الصغيرة إلى بيتها الجديد، تناولنا العشاء سريعاً فغداً دوامات، ودّعنا بنات العم و والدتهم نثني على حفلهم و ندعو لعروسهم بالبركة و الصلاح، و أخيراً عودة سريعة للمنزل فلا وقت للراحة بل آن الأوان للاستعداد للدوام. اليوم اكتشفت كم أنا خليط متراكب من المهام، صباحاً كنتُ معلمة، ظهراً كنت أماً و زوجة، مساءاً كنت الإبنة، و في الليل كنت ابنه العم و ابنة الخالة، والآن أعود من جديد لأكون الأم و أن أجهز بهدوء شديد حاجيات ابنتي لحفلة الغد. بقيت ساعة أو أقل حتى يصل السائق، فأعود للعب دور فضاء المعلمة. “يااااه اشتقت لفضاء سادة بدون مهام أخرى” لكن لا أندم من وجود فضاء بنكهاتها الجديدة أبداً، فقط إنه شوق بسيط لرؤية فضاء أصبحت نوعاً ما شبحاً وردياً صغيراً. 

 

 

 

 

اليوم الرابع عشر

الأربعاء: السابع و العشرون من شوال 1431 هـ

يوم مزدوج

ما أغرب الساعة عن سابقتها: منذ ساعة بالضبط كنت أرقص مع أقاربي في حفل زفاف وهذه الساعة أزيل سريعاً طبقات المكياج أمام مرآتي، أريح قدميّ من حذائي العالي، و أرتدي من جديد ثياب العمل. الجميع نيام فاتجهت لغرفة ابنتي أجهز ثيابها التي ارتدتها فترة العيد و علبة الحلوى التي ستشارك بها مع زميلاتها. أعدت قراءة الورقة التي أرسلتها معلمتها لأتأكد، “نعم، صحيح، هذا الأربعاء هو تمثيل لفعاليات العيد بمشاركة الجميع بالملبس و المأكل“. أكملت تجهيز الحاجيات و بدأ التعب يتمكن مني. تذكرت أخوات العروس حين أخبرنني كيف تمكنّ من التفاهم مع ربّات أعمالهن و أخذ إجازة ليوم الأربعاء. “شر البلية ما يضحك” فضحكت فعلاً لأنني ومن واقع أحداث شهدتها بعيني أعرف تماماً ردّ مديرتي إن حصل و طلبت منها إجازة ليوم زفاف أختي أو أخي!! نظرت إلى ساعتي من جديد، اقترب الوقت فارتديت عباءتي و بدأت أستغفر لذنبي، فأكره الذنوب إلى قلبي ظن السوء بالبشر. اللهم إني أستغفرك و أتوب إليك!

أنيسي النوم: تسألني صديقتي “هل ذهبت لحفل الزفاف البارحة؟” فأجبتها “بالتأكيد، انظري إلى وجهي، ماذا ترين؟” فتأملتني بفضول تحت ضوء سيارتنا الأصفر “يبدوا عليكِ النعاس” فأضفت “و إن لم أنم بعد الفجر سأصبح يقظة دون أن أفقه شيئا!“. نمت الساعة التي تلت صلاة الفجر في السيارة، و نمت ساعة في بداية الدوام. و لا مقارنة بين تلك الساعتين في تلك الأماكن و بين ساعتين أخريين في سرير المرء. إنها ساعتان من النوم لسد حاجة بيولوجية في الجسد لا أكثر و لا أقل و هي بعيدة كل البعد عن الراحة. في تمام الساعة السابعة و خمس و عشرون دقيقة اتصلت لأطمئن على “شقيتي الصغيرة” لأتأكد من أنها تعلم بما تفعل لهذا اليوم “يوم العيد” في روضتهم. قرابة الثامنة و النصف طار النوم من رأسي كسربِ حمام فزع، فقد جدّ الجد الآن و آن أوان حصصي التعيسة.

ملائكة و شياطين: يمكن للروائي دان براون الاستعانة بحالتي اليوم إذا أراد تحديث روايته ملائكة و شياطين، رواية أتوق لقراءتها قريباً جداً جداً. و السبب قراءتي السابقة لشيفرة دافنشي و إعجابي بأسلوب الروائي في كتابته، ثقافته، وحبكته للأحداث. أعتقد أنني خرجت عن محور الموضوع!! الشيء الوحيد الذي شعرت به اليوم إضافة لآلام جسدي و النعاس المطبق بين الحين و الحين. هو شخصيتي الشيطانية و الأخرى المسالمة حين مرت حصتان متتاليتين، إحداهن للرياضيات و الأخرى للغة الإنجليزية. كنت تارةً كائناً متوحشاً ضاري الملامح و تارة فراشة رقيقة الضربات تطير مع النسمات. مرةً شيطان و أخرى ملاك، قريبة جداً من شخصيتي الدكتور جيكل و مستر هايد. <<< خوفت نفسي!!

عبارة مؤثرة:جعلتموني أكره أكثر ما أحبه في هذا المكان، التدريس!” اقتبس هذه العبارة من إحدى المعلمات التي صرحت بها تختم حواراً عقيماً مع الإدارة. خسارة أن يكون هذا انطباعنا و رأينا و ما نشعر به كل يوم. أن نكره ما نحب عمله. ما الفائدة إذا لم يكن عطائي مئة بالمئة و كنت أكره ما أعطيه و ما أقرأه و ما أعلمه للطالبات. هناك خلل ما في عقلية الإدارة، خلل سأحتاج لوقتٍ طويل أن أعرف ما هو و أعرف كيفية علاجه!

*تحديث* أعلم تماماً أن رواية “ملائكة و شياطين” ليس لها علاقة بالعنوان بصريح العبارة و إنما هي تلميح “للأخيار و الأشرار” بطريقة أدبية. ولمن يمتلك القدرة على القراءة بحيادية و من ثم يأخذ من الرواية ما يريد و يترك ما لا ينفع و يقوي معتقده. أنصحه أن يستمتع برفقة دان بروان. أما رواية “الدكتور جيكل و مستر هايد” هي رواية قديمة للروائي روبرت لويس ستيفنسون، تتحدث عن انفصام مرعب في الشخصية بسبب عقار اخترعه الدكتور جيكل.

*تويتر إجازة نهاية الأسبوع*

جزى الله الإمام السديس على قراءته، يفصل الآيات تفصيلاً تكاد تفسرها بقلبك كلمة كلمة و تجبرك قراءتهُ على الإسراع لتفهم أكثر من كتب التفسير

مو عيب يوم تكون إنت المستأجر و صوتك بالبيت يطغى على صوت راعيه اللي يسكن فوقك بالضبط؟

اللهم لا تؤاخذني بما يقولون، واغفر لي ما لا يعلمون، و اجعلني خيراً مما يظنون

.

 

.

إقرأ من البداية: Day One 

Advertisements