اليوم العاشر

السبت: الثالث و العشرون من شوال 1431هـ

الأسبوع الثاني

يوم نمطي

 

النمطية: هي ترتيب معين أو تسلسل خاص يجب أن يستمر على نفس الوتيرة ليحافظ على نمط معين. إنه السبت يا له من صباح جميل أخيراً جدول الحظ بين يدي بالكاد اكتمل لكنه أفضل من لا شيء اليوم كانت حصتي الأولى في تدريس الرياضيات، الصف الثاني ابتدائي. “ما هي النمطية؟” لدي دودة ملونة و درس لا استطيع فهمه لأول وهلة و لم أتمكن من إيصال أي معلومة للطالبات. ناهيك عن إضافة معلومات أخرى و طرق مماثلة لفهم الدرس. يا له من يوم جميل. أيتها الإدارة البغيضة هل تعرفين الآن معنى كلمة: كفاءة؟

اسمي الجميل: كم كنت أرجوا طيلة النهار أن أسمع اسمي الجميل ينادى به في الممرات لأجد من يقول أن خطأ فادحاً قد حدث و أنني لا يمكن أن أدرس مادة الرياضيات. لكن انتهى اليوم و لم ينادي باسمي الجميل أحد “حلوة شوفة النفس مع الظهيرة“. عدت للمنزل و كالصدمة التي بان أثرها للتو أدركت أنني لم أدرس سوى مادة واحدة لا أفقهها، مادة الرياضيات فقط.

تأمل: أغمضت عيني لأتأمل أحداثاً من الماضي. حين تمكنت من دخول الجامعة ذات يوم كطالبة رياضيات و أخفقت بشدة. نعم أيها القارئ كنت سأدرس الرياضيات بحكم دراستي العلمية في المرحلة الثانوية وذلك فقط إذا كنت أبغي لأمة الإسلام شراً. ولكنني وفي تلك السنوات حاربت بشدة و أقنعت كل من استطيع إقناعه أني أجد ذاتي معطاءةً أكثر في تخصص اللغة الإنجليزية. و كان لي بعد فضل الله و من ثمّ تفهم الجميع ما أردت. فزعت من لحظة التأمل لأصطدم بواقعي الحالي من جديد. “ما الذي تغير؟” لا تزال فضاء سابقاً هي فضاء اليوم في عدم نجاحها مع مادة الرياضيات وهو الفشل الذريع الذي أعتز به دون خجل. لكن “ما الذي تغير في شخصي؟“، نعم أحب التحدي لكن ليس ذلك النوع المسبب لضرر غيري. “ما الذي سيجري؟” فزعة الأصحاب تتوالى و كم أنا ممتنة لهم لكن لن ينجح الأمر بلا “كفاءة“.

هدايا: لاحظت والدتي أنني هجرت الطعام فأمرتني بالغذاء. و لاحظت كم كنت شعثاء فعاتبتني لأهتم بمظهري. وكانت بداية المرض مع تغير الأجواء فنبهتني بالعلاج أملاً في الشفاء. عاد زوجي و آن لي أن أعود لمنزلي و لا أزال لغزاً في ذهن أمي لم تتمكن من فكّ عقدهِ. “لا أجرؤ على إخبارها فالأمر مزعج أكثر من كونهِ خبراً أحكيه لها، فاليوم اعتقها من همي، و قريباً سأجد لهذا الأمر حلاً“. تكفيني لهذه اللحظة فرحتي و أبنائي بالهدايا. كنت أرغب بالأمس أن أزور الرياض ولو ليوم واحد لكن اليوم أردت زيارة دبي حيث أتت منها ذكرى جديدة. لا تستغربوا التغير المفاجئ في مزاجي، فهو ما برعت فيه مع الأيام أن أجعل الهمّ أسير لمكان فلا داعي أن أحمل همّ عملي معي في كل مكان. و كلما استحكمت حلقاتها فرجها بيد المولى عزّ شأنه. فإن نسوك يا ربي لم أنساك، وتلك أعظم هدية أودعها ربي في قلبي، اللهم لا تجعلها مسلوبةً مني ما حييت.

 

 

 

اليوم الحادي عشر

الأحد: الرابع و العشرون من شوال 1431هـ

يوم الأصوات

 

السادسة و النصف: ترن ترن “صباح الخير!” “صباح النور يا أمي” بصوتي الأبح و أنفي الكبير و شعري الأشعث “غائبة؟ مريضة؟“.. “نعم يا أمي! أسقطني المرض” “لا بأس، ابنتك غائبة أيضاً؟” “لا ابنتي ستذهب للروضة، والدها سيصطحبها في الصباح، و تعود لمنزلي مع السائق” “إذن لست بحاجة للسائق في الصباح؟” “كلا يا أمي، شكراً” “سلامتك، مع السلامة“. إنه الإضراب الثالث لهذا العام و بدأته أهذي “My Dad is ganna kill me for this day!!“.. و لحسن حظي لم يعلم بهذا الإضراب سوى والدتي. لكن العقاب أتى إليّ قطعاً من المكالمات الهاتفية و بعض المنغصات الأخرى.

 

 

السابعة و الربع: طق طق طق عيناي مليئتان بالدموع و بالكاد أتنفس بسبب أنفي المتضرر. “من بالباب؟” “ماما، أعطيني تلوس أريد الذهاب للروضة، دزيز جاء” أنا محاولةً خفض مستوى ارتفاع شعري الغير مرتب: “يا ابنتي اسمها فلوس. و أنت ستذهبين مع والدك و ليس عبد العزيز، اجلسي في غرفة المعيشة” “لكن يا ماما دزيز جاء، إنه في الخارج” “ما.. ماذا؟” ارتفعت نبرة صوتي و أنا آمرها بأن لا تخرج قبل أن أتأكد و التقطت جهاز الجوال لأتصل بأخي عبد العزيز ولم أتمكن من وضع السماعة في أذني حتى وجدته يقف على بعد مترين عني في منزلي. نصفه الأعلى بزي رياضي و صفه الأسفل سروال سنة فعلمت من النظرة الأولى أنه خرج من سريره مُجبراً أو مضطراً. و لا داعي للإحراج منذ الصباح و إخباركم من منّا فزع أكثر. سألته محرجة و مرتبكة في الوقت نفسه عن سبب مجيئه فلا يزال والدها نائماً و موعد خروجها الساعة السابعة و النصف. أجابني أن السائق قام ببعض الفوضى الصباحية و اضطر هو أن يرافقه لتعديل مساره. على الأقل تمكنت من رؤية ابنتي باللباس الوطني تحمل علمها الأخضر و ترتدي مشبك الثياب الأخضر الذي حمل شعار الوطن و صورة خادم الحرمين الشريفين. و لا أنسى أنني جربت هذا الصباح بفخر شعور ترويع الآمنين “آسفة جداً يا أبو العز“. المهم مضت ابنتي و عدت لفراشي أطبب نفسي من جديد.

 

 

الساعة الثامنة أقرب للتاسعة: قربع قربع << صوت قربعة بني آدم. أخرجت رأسي الأشعث من بين الشراشف لأرى رأساً صغيرة تعبث خلف حدود سريري. “من اللص؟” “مــــامــــا!” بنبرة امتلأت بالرعب و أضاف يستظرف في الطلب “أريد لعبتي الجديدة” فصحت به أعاني الصداع “خذها و أخرج من هنا أنا مريضة” “شكراً مـــــامـــــا”. طِـبـِــع << صوت صفق الباب و سقط رأسي في حفرة الشراشف. 

 

 

الحادية عشر و عشر دقائق: ترن ترن رائحتي تفوح بالأدوية و خاصةً فيكس فابوراب و صوتي يختفي شيئاً فشيئاً “أهلاً أمي” “السائق أخذ الصغار إلى منزلي و لم يعد ابنتك إليك” “لا بأس يا أمي تعود في الظهيرة ولم يبقى وقت طويل” “ما الأمر ألم تذهبي للطبيب؟” “كلا يا أمي موعد الطبيب سيكون مساءًا” “أخبريني بما سيحدث معك” “نعم أكيد، شكراً يا أمي“.

 

الواحدة بالضبط: طاااط طاااااااط.. قفزت من مكاني فهذا جرس الباب المزعج و إذ بها ابنتي عادت إلى البيت. “تناولت الغداء؟” “نعم يا ماما، أنا تعبانة” “كيف كانت حفلتك؟” “حلوة، ماما أنا تعبانة أبغى أنام“. نامت فقد كان نهارها طويلاً جداً مع احتفال اليوم الوطني. صليت الظهر و عدت أطبب نفسي من جديد في غرفتي فهذا الوقت هو الواجب فيه أن ابتعد عن أطفالي. تلك الرأس الصغيرة اللصة تعبث من جديد قرب سريري “ما الذي تفعله عندك؟” فارتاع و تردد ثم قال: “أريد لعبة أختي” فصحت به آمرة أن يخرج و أن يترك هدية أخته حتى تستيقظ و تستلمها بنفسها. ولم يخلو الأمر من محاولة فاشلة لركلهِ في الخارج.

 

الخامسة تماماً عصراً: صوت أنين يخرج مني لا أعرف مصدره. “أنت مستعدة؟” أومأت برأسي بنعم فحتى أتجنب زحام العيادة الطبية يجب أن أذهب الآن. أخذت كتاباً، دفتراً و أقلام ولم أغفل أن أملأ حقيبتي بكل ما أستشفي به حتى أنني اشتريت عصير البرتقال الطازج في طريقي. أخذت رقمي وكان ما بين الثامن و الحادي عشر لا أذكر بالضبط. لكن تواجدي في العيادة كان مُضحكاً. فتارة أقرأ و تارة أكتب و أكتب حتى الملل. أراقب الباب الذي يفتح و يغلق و أركز في الأسماء التي يتم نداءها، فالعادة أن اسمي على لسان الممرضات مشوه. كنت كضابط بوليس في عملية مراقبة ينقصني كوب قهوة وقطعة دونات كبيرة بالسكر و جهاز متابعة لا سلكي، “الهدف لم يتحرك بعد، حول!“.

 

بعد صلاة المغرب: صوت رجرجة: أخيراً تم استدعائي و بدأت المداهمة، أ.. أقصد الزيارة “عشت الدور بقوووة“. عموماً، كان استقبال طبيبتي و طريقتها بالتشخيص عطوفة جداً و خرجت من عندها راضية و قد حصلت على إشعار طبي لهذا اليوم. و لكانت بهجة الرضى اكتملت لو لم تنثر القليل من بهار لسانها باهاناتٍ ساخنة قوتها كقوة حروق الدرجة الثالثة. فحواها “تخينة، شحمة، دبة، كبيرة، إيش هادا؟ إنتا مرة تقيل!!…إلخ” ولم تتوقف رغم محاولات الممرضة الحثيثة في جذب انتباهي بعيداً عن سياط لسان الطبيبة بعباراتها الناعمة و نصائحها الغذائية. خرجت من باب العيادة أترنح كالمجلود لأرى سيدات حجزنّ من حيز الكون مساحة أكبر بكثير من التي تسبب بها. بل إنني كنت الأقرب لوصف “توم بوي” مقارنةً بهن. حملقت فيهن وهن متجهات للعيادة في سباقٍ مرجرج و أردت الانضمام من جديد إلى إحداهن لأرى طبيبتي سليطة اللسان، بأي الكلام ستستقبل هؤلاء. ولكن محال محال، ذاك لسان الحال.

بعد العشاء: لم أبرح مكاني فلا أزال بانتظار سيارتي فعدت للقراءة و الكتابة من جديد مع قلة التركيز لما يجري حولي. و الممرضة اللطيفة لم تغفل حين مرّت عدة مراتٍ بجانبي و تنبهت أن هذه المريضة المدورة هي نفسها التي انتهت من الكشف منذ ساعة. دقت الساعة الثامنة و الثلث و تركت معقدي في تلك العيادة و بهذا أختم لكم أحداث يومي الصوتي. كم أنا مشتاقة لدوام الغد، “ماذا سأقول لرفاقي؟” هل أخبرهم بما حدث معي أم أترك هذه الأخبار لنفسي. أعتقد أنني سأحتفظ بها في صندوقٍ خاص اسميه “ذكرياتي أنا و بس و ممنوع اللمس!!“. تضحكون؟ 🙂 بصراحة شديدة لا أرغب بدمج ذكريات عملي بذكريات حياتي و مغامراتي، سأجعل لكلٍ منها صندوق!!

أخبار

وفاة الإعلامي محمد السقا، رحمة الله عليه.

سوالف أحمد: من يستحق السعودية؟

.

 

.

إقرأ من البداية: Day One 

 

Advertisements