اليوم الخامس

السبت: السادس عشر من شوال 1431 هـ

الأسبوع الأول

يوم بلون الفُلّ 

 

بدون إحساس: لم يكن لهذا الصباح أي طعم، أي لون، لم أتمكن من سماع صدى الأصوات، أو شم أي روائح زكيةً أو غير ذلك. كانت لحظات بلا إحساس و كأنني في زجاجةٍ عازلة من أي اتصال. تلك الوجوه الصغيرة التي أتت بحلّة جديدة و حقائب زاهية تتمنى أن تكون هذه “المدرسة” ركناً من الجنة التي تصوروها طيلة الليل. شيءٌ أضفى لهذا اليوم عبيراً بارداً لطيفاً. معلمتيّ الصف الأول ابتدائي. كان استقبالهن للصغيرات الجديدات بحفاوة و كأنهن بناتهن. شيءٌ أدهشني فأنا في حالة اكتئاب لأن الأمور أصبحت جادةً جداً و لا أرى سوى إهمال و تسيّب من إدارة المدرسة بينما هم أكثر سعادة و لم ينتظرن إشارةً ببدء العطاء. همست لنفسي: “نعم.. نعم هذا هو الإحسان في العمل. اللهم زد و بارك فيهن و في عطائهن و أكتب لي الرضا من لدنك و ارزقني كما رزقتهن يا الله.

 

 

غيمة: في المكتب عزلت نفسي بغيمتي السوداء بعيداً عن ألوان الطيف التي أحاطت بأولئك الصغار. مما زاد من حجم تلك الغيمة شيئاً فشيئاً مُضافةً إليها عبارات التذمر المستمرة من المحيطين بي. التذمر من الجميع المعلمات الأقدم و بالأخص الجديدات اللاتي أتين من العاصمة، أو مدارس نموذجية في المدينة المنورة. حاولنا جاهدات شرح بعض الأمور لهن، بأن تلك الأمور مستحيلة التغيير طالما أن الطرف الآخر يأبى سماع آراءنا. غيمتي سببت لي مزاجاً متقلباً لكنها سخية المطر. فكان مبدأي الأساسي هو “إبراء الذمة” و “ما الذي استطيع عمله” فلا نستسلم تماماً بقول “الحال هكذا و سيبقى هكذا” و نعمل بالقول القائل الذي يقول: تنبح الكلاب و نحن كالقافلة خلفها نسير. فكان القرار الجماعي، سنبدأ التدريس حتى بدون الجداول و بدون معرفة بقية موادنا المقررة. نعم حتى الآن لا أعرف أي المواد سأدرس لكن أعلم تماماً أنني معلمة اللغة الإنجليزية للصف السادس. تلك بداية طيبة، أليس كذلك؟ لن أنتظر أيّ إشارة ببدء العطاء.

 

 

لنكن فـُلّة: كالشغف الذي أسر قلوب و عيون البراعم الصغيرة بشخصية الفـُلّة التي ملأت صورها أدواتهن المدرسية. لنتقمص تلك الشخصية و نرسم البسمة على وجوهنا رغم الانزعاج، لنبدأ دروسنا لننشد للصغار و نمرح معهم. لنلعب بتلك الحروف و الأرقام و نعبث بالمخيلة. هكذا يصبح للمدرسة عبيرٌ أجمل ينبع من أنفسنا فتختفي الغمامة السوداء بلا رجعه و يملأ السهل الرطب الذي خلفتهُ وراءها بستان من الفل الأبيض.

 

 

 

 

اليوم السادس

الأحد: السابع عشر من شوال 1431 هـ

يوم زيتي

 

كذب: كذبت حين أخبرت بعض من يهمهم أمري أنني امتنعت عن إسداء النصيحة للمستجدات من الغزلان. كيف يمكنني تركهن فحالهن الآن كحال الأعمى الذي يتجه مسرعاً إلى السلالم و لا أكلف نفسي قول كلمة: “احذر!”. هنّ بحاجةٍ إلى ضوء في هذه العتمة لذا سأكون لهنّ بإذن الله منارة. ليس النصح دوماً هو ذكر مساوئ الأمور بل بالإمكان توجيههم للنظر و البحث عن الإيجابيات في الكوارث قبل المحاسن. و أحياناً كثيرة تكون الكارثة الحقيقية مغلفة بغلافٍ لامعٍ و كأنها عون أو يدُ مساعدة.

 

 

أغصانٌ غضـّة: إنه يوم بلون عـِرقِ الزيتون. أتحفت نفسي و الأخريات بذكريات و مواقف السنوات الخمس الماضية. ليس افتخاراً بقدر بث جزءٍ بسيط من خيرةِ الزمن إليهن. أنظر إليهن و كأنهن مربوطاتٌ كالأمانة إلى عنقي و أتنهد بقوة حين أسمع منهن الشكوى. أخبرتني عرضاً أن الوكيلة قد سحبت من يديها كتاب إحدى المواد معللة أنه ليس لها شأن بتدريس هذه المادة. في بادئ الأمر يبدوا لكم هذا الموقف كإنسانة تعين أخرى، أليس كذلك؟ “وهل تعلم المديرة بهذا الموقف بينك و بين الوكيلة؟” سألت فضولاً لا أكثر فأجابت بثقة “لا، المديرة لا تعلم بل لا تزال تظن أن هذه المادة بحوزتي!“. جاهدت نفسي أن انتقي كلامي حتى لا يبدوا فيه اتهام أو ظلمٌ و بهتان: “اذهبي للوكيلة من جديد، و تأكدي من قرارها هذا، و خذي منها وعداً أن تقف بجانبك و تتحمل عنك أصابع الاتهام في حال أتت أيّ مسائلة عن عدم تدريس هذه المادة“. نظرت إليّ بعينين واسعتين مليئتين بالدهشة و تساءلت: “هل يمكن أن تنكر ذلك؟” فهززت كتفيّ بأنني لا أعلم و أضفت: “فقط خذي الحيطة و الحذر“.

 

 

كفاءة: أتعجب أحياناً ممن يسمحون لأنفسهم بحشر أنوفهم في أموري الشخصية التي ليست من شأنهم البتة و بالمقابل أجدهم أول المعرضين عني حين أعترف لهم بأنني لا أعرف تدريس مادة كالرياضيات مثلاً. عموماً لا عيب من أن يعرف الإنسان و يبرز ما هو كفؤٌ فيه. أما التباهي و النفاق في معرفة هذا و ذاك فهو أمر أرفضه تماماً. و على هذا الأساس لا أستطيع وصف سعادتي حين بلغتني المديرة في نهاية الدوام أنني سأقوم بتدريس مواد “الدين” للصفوف الدنيا. “الحمد لله لن أدرس مادة التعبير هذا العام؟” فأجابت باستغراب: “نعم لن تدرسيها، ولكنها مادة سهلة” فصارحتها: “كلا ليست كذلك لمعلمة لغة إنجليزية، و مواد الدين جزء من حياتي كمسلمة فلا بأس، أستطيع أن أدرسها“. انطلقت خروجاً من الدوام و كلي امتنان لأن هذا العام سيكون أفضل في العطاء بإذن الله. آآه لا تزال طيبة قلبي المتأصلة في نفسي تأبى سوء الظن.

 

  

 

 

اليوم السابع

الاثنين: الثامن عشر من شوال 1431 هـ

يوم رمادي

 

غرقى و ليسوا أموات: طار النوم و غاب الأصحاب و لا نزال في فوضى المهمات و الأعمال في هذه المدرسة العائمة. نعم عائمة فهي كحال الغريق الميت الذي يطفوا جسده على سطح الماء و لا فائدة مرجوة من إرسال طوقِ النجاة. لكن هؤلاء ليسوا بأموات و مع ذلك يتلاطمون ببعضهم البعض دون هدى. تباً لا ارغب في التذكر لأن العين تدمع و اللسان يعجز عن النقد المدمر و البناء حين يرى حال رئيسهِ هكذا. ماذا كانت الأيام السابقة بالنسبة لنا؟ كانت جميعها نسيج كذبة كثيرة الثقوب قليلة الرقع مشوهة لأبعد الحدود مجهولة الهدف. لا ألوم النساء في التقصير فالحال عائم كما قلت لكن ألوم من يتهرب من الملامة و يلصقها بالآخرين.

 

استفزاز:لا بد أنكِ تمزحين؟ …………..؟” خرجت من الإدارة بعد نهارٍ هادئ و قد استفزتني مجموعة من الأمور منها عتيق و غيرها جديد. أولاً استدعائي المبهم للإدارة. منذ العام الماضي و أنا أطالب الإدارة أن تذكر سبب الاستدعاء لأقدر أهميته بأن أترك عملي أو استمر في انجازه و من ثم اتجه بنفسٍ راضية نحو الإدارة. لكن محال، لا يزال الاستدعاء مبهم, لا يزال المستدعي لي مجهول الهوية حتى لحظة اللقاء، لا تزال أجهزة التواصل الداخلي لا تستخدم خير استخدام و يتم إرسال المستخدمات و الطالبات و أحياناً أخرى المعلمات من أجل: “أبله فضاء كلمي الإدارة“.

 

حماقة: ها أنا في الإدارة و لا يزال الأسلوب الأحمق في الحديث يسير بنفس الوتيرة. و كأن لسان حالها يقول وهي تحدثني حتى الملل: “أنا حمقاء و أعتقد أنك حمقاء و معاً سننجز بأعجوبة شيئاً أحمقاً في المدرسة يشهد به الجميع لنا، نيأأأأآآآآي!!” أكاد أصرخ من هذا الأسلوب وبعد الاستفهام أكثر من مرة تعرفت على ماهية الخبر الذي تم استدعائي من أجله. مساعدة المرشدة الطلابية أو بعبارة أصح أنا كائن شبه حي مجرد من حقوقه و مُـفرغ لخدمة المرشدة الطلابية. ذلك ما استوعبته من تلك الحماقة و هذا بالضبط ما رأيته من الثقب المهول في نسيج كذبتهم النتن!

 

غضب: استمعت للهراء الذي بدأت تصبه المديرة في أذنيّ ولم اعرها اهتماماً حاولت جاهدة و بأكبر كمٍ من الذوق أن أبيّن لها عدم إلمامي و قدرتي للقيام بما تريده مني لكن لا جدوى. سألتها في غمرة يأس من جديد عن المواد التي سأدرسها لأكتبها و أتأكد من نصاب حصصها. و ما أن كتبت المادة الأولى بجانب (الصف الأول ابتدائي) تصورتهن كالملائكة بثيابٍ بيضاء و أجنحة بيضاء يُـصلين و يغتسلن و يضحكن بنغماتٍ حلوة كالعصافير حتى حطمت تلك الصورة بقنبلتها: “أنت ستدسين الرياضيات!” فجأة طمست تلك الصورة الناصعة لتتغير صور الفتيات إلى عفاريت من جهنم تقفز و تصرخ بصيحات كالصرير. آآآآآه لا شعورياً صرخت مكاني غير مصدقة و لا إرادياً شطبت اسم المادة السابقة التي كتبت. نظرت إليها و لا أخفيكم سراً أنني لأول مرة ألمس الخوف في نظراتها. كم أرعبتها بردة فعلي لأن الحق كلهُ معي لكن حين كنت أنظر إليها وقتها كنت قد صببت جُـمّ غضبي على نفسي لأنني أذعنت لها. و علامة الإذعان حين طمست بقلمي ما أريد! لم ينتهي ذلك اللقاء بيننا إلا بانفجار بدأته بقول: “لا بد أنك تمزحين؟ رياضيات؟“.

.

 

.

إقرأ من البداية: Day One 

Advertisements