malcolm_x1عندما كنت في المرحلة المتوسطة، وقعت بين يديّ سهواً مجلة سيدتي تتحدث عن فيلم من بطولة دينزل واشنطن لعب فيه دور رجل أفريقي_أمريكي مسلم سُني. لم أتذكر الاسم جيداً آنذاك بسبب سياسة (قم ذاكر، قم نام، قم للمدرسة) التي استحلت أذهاننا و أذهان آباءنا من حرصهم على مستقبلنا، ولست ضد هذه السياسة على الإطلاق بل أنا معها و مع سياسة (القراءة الخارجية ليست مشتت للدراسة). وهذا الشخص الذي سأتحدث عنه هو مثلٌ أعلى في أمورٍ عدة.

رأيت جزءاً من الفيلم بعد عقد من الزمن فانتعشت ذاكرتي و الكلمات و الصور وها أنا أتوق لرؤيته كاملاً ولكن عرفت أخيراً عن من تحدث مقال سيدتي وعن من سأتحدث إليكم اليوم: مالكوم إكس الذي ولد في نبراسكا، اوماها في 19/ 5/ 1925 م. الابن السابع لأبٍ قسيس من أتباع (ماركوس كافي: المنادي بعودة الجنس الأسود لأفريقيا). لم يكن مالكوم قاتم البشرة وهو أمر تغاضى عنه المخرج أثناء اختيار الممثل الذي سيلعب دوره باحثاً عن مؤديٍ مبدع و ليس نظيراً في اللون فقط. وما عجبت له أن والده كان يحبهُ لهذا السبب و أمه تقسو عليه قائلة: ” اخرج إلى الشمس ودعها تمسح عنك هذا الشحوب“. نشأ مالكوم في زمن العنصرية بأمريكا. فقد كان والده في “جمعية التقدم الزنجية” التي تكثر من عبارات معادية للبيض. وقد قتل على يد جماعة عنصرية تاركاً أرملة في سن 34 و ثمان أطفال. طردت أمه من منازل البيض حين اضطرت للعمل وهي أرملة لأسبابٍ عنصرية. و ساهمت رواسب العنصرية في شخص الموظف الأبيض في مكتب المساعدة الاجتماعية على إدخال والدة مالكوم مستشفى الأمراض العقلية لتدهور حالتها النفسية حين حرض أبناءها عليها. ولم يكن مالكوم وقتها سوى صبي في سن 12. تخيلوا معي الكمّ الهائل في قلب هذا الصبي ضد كل ما هو أبيض.

كان مالكوم طفلاً محظوظاً في البداية إذ تمكن من دخول المدرسة وهو في سن الـ5 ،  إلا أن حالته ساءت كثيراً فمن ابن قسيس و امرأة كريمة إلى متسكع، متطفل، سارق وخارج أسوار المدرسة إلى أسوار سجن الأحداث وهو لا يزال في سن 16. تمكن من إكمال دراسته، و تفوق في التاريخ و اللغة الإنجليزية و الأنشطة الثقافية، وكان ذا بنية قوية ساعدته على المشاركة في الأنشطة الرياضية.

انتقل مالكوم بين بوسطن و نيويورك وعمل في الخدمة العسكرية خلال الحرب العالمية الثانية ولم تكن هناك إضافة له من كل هذا سوى لهو، مجون، فساد، جرائم، سرقة، فجور. في عام 1946 م سجن مالكوم يافعاً في سن 21 لمدة عشر سنوات. وربَّ ضارةٍ نافعة، كان السجن نقطة تحرر مالكوم من الكفر و الشك ومن ثمّ مقر اعتكافٍ علمي له. نصحه بيمبي، وهو أحد السجناء بأن يتعلم، فانكبّ مالكوم على مكتبة السجن. حتى عندما كان ينتقل من سجن لآخر، كان يتعرف لمكتبات شتى فازداد قراءة و علماً و أدرك كم كان جائعاً لمعرفة المزيد. أرسل له أحد إخوته يوماً أنهم جميعاً اهتدوا للدين الطبيعي للرجل الأسود، الإسلام! فوجد في نفسه استعداداً فطرياً و امتنع عن التدخين و أكل لحم الخنزير. ثم أرسل له أخٌ أخر أنه أنضم لحركة (أمة الإسلام: زعيمها إليجا محمد، الذي اعتبر نفسه رسولاً. و أفكار هذه الحركة عنصرية مع الأسف. أساسها: الإسلام دين السود، الشيطان أبيض و الملاك أسود، المسيحية دين البيض، و الزنجي كره نفسه لأن المسيحية علمته أن يكره كل ما هو أسود) فأسلم مالكوم شفهياً على هذه الأفكار و غاص في القراءة حافظاً المعجم لإثراء لغته. و نهل من أفكار الفلاسفة و صدق و أعجب و آمن بفلسفاتهم.

قام بدعوة أصدقاء الإجرام للإسلام بالرسائل، و دخل في مناظرات أكسبته خبرة مخاطبة الجماهير و القدرة على الجدل، و أخيراً تشجع مخاطباً السجناء السود يدعوهم لحركة أمة الإسلام. استنشق هواء الحرية عام 1952 م وعمره 27 عاماً. ومن هنا تعلم قراءة سورة الفاتحة و ذهب للمسجد. وبعد لقاءه بإليجا محمد، انضم رسمياً للحركة و أصبح داعيةً لها. تأثر به كثيرون لكونه مفوهاً و ذا حماسٍ شديد فأصبح إمام و خطيب مسجد ديترويت. تزوج وعمره 33 و رزق بثلاث بنات. أصبح المتحدث الرسمي الإعلامي لحركة الإسلام. اختار لنفسه اسم مالكوم (X ) قائلاً: “إكس ترمز لما كنت عليه وما قد أصبحت، كما يعني_ في الرياضيات_ المجهول و غير معلوم الأصل.

حسب ما رأيت في الفيلم أن مالكوم أدرك عيوباً كثيرة في حركة الإسلام و أنها ليست إلا جماعة عنصرية ترتدي قناع الإسلام. ومن هنا قرر أن يذهب للحج حتى يصل لمكة و يأخذ الإسلام من منبعه الأصل دون تحريف أو تغيير. ومن الطائرة التي أخذته من مطار القاهرة علم أن الإسلام ليس دين الرجل الأسود فقط بل هو دين الإنسان لكثرة الألوان التي شاهدها تستقل الطائرة معه. تعلم الصلاة وعجب كيف يكون إماماً، وزعيماً ومتحدثاً رسمياً و رجل دين مسلم وهو لا يعرف كيف يصلي! تأثر بأصوات التلبية، مشهد الكعبة، بساطة وإخاء المسلمين. قال في ذلك: “في حياتي لم أشهد أصدق من هذا الإخاء بين أناس من جميع الألوان والأجناس، إن أمريكا في حاجة إلى فهم الإسلام؛ لأنه الدين الوحيد الذي يملك حل مشكلة العنصرية فيها” تغير مالكوم حقاً منتهجاً المنهج القويم بعد اثني عشرة يوماً جالساً مع المسلمين في الحج يعبد الله و يتضرع له. فرأى بعضهم شديدي البياض زرق العيون، لكنهم مسلمون، ورأى أن الناس متساوون أمام الله بعيداً عن سرطان العنصرية. عندها غير مالكوم أيضاً اسمه إلى الحاج مالك شباز، والتقى الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود.

عاش مالكوم يزور عدداً من الدول العربية والإفريقية، وهنا أتذكر مشهد من فيلم (مالكوم) أو فيلم (محمد علي) وهو حين صدف لقاء مالكوم و محمد علي كلاي في أفريقيا. وقتها دعا مالكوم محمداً للانضمام إليه و الخروج عن فكر حركة “أمة الإسلام العنصرية” فأجابه الملاكم المشهور مـُعرضاً: “سعدت برؤيتك أخي مالكوم“. مشهد محزن. عاد أخيراً مالكوم لأرض وطنه وهو بعمر 39 عاماً، عاد ليدعوا للإسلام الصحيح، اللاعنصري، ذلك الإسلام الذي جمع صهيباً و بلال، هو نفسه الذي سيجمع شعب أمريكا بل العالم كله إن كان من دعاته و ناشريه. ونطق مالكوم منادياً بأخوة بني الإنسان بغض النظر عن اللون و دعا للتعايش مع بعضهم الأبيض و الأسود. كانت معادلته واضحة وهي: “إدانة كل البيض = إدانة كل السود“.

أسس كلاً من منظمة الاتحاد الأفريقي الأمريكي، و مؤسسة المسجد الإسلامي.  وهي أفكار تتعارض مع أفكار أمة الإسلام. هاجموه، حاربوه، حجموا نشر أقواله و دعوته في الصحف، اتهموه بالتحريض للعصيان. في إحدى محاضراته ادعى اثنان أنهما يتشاجران في الصف التاسع فظهرت البنادق و الرشاشات في الصف الأول لتقذف مالكوم صريعاً على المسرح محتضناً 16 رصاصة. إن كان مالكوم مات تلك الميتة كما مثلها دينزل واشنطن؟ فربما كان مالكوم يعلم أنها نهايته! التي سُجلت بتاريخ: الأحد (18 شوال 1384هـ/21 فبراير 1965م).

بعض العبارات التي صقلت هذا الرجل ..

  1. قال: “لقد تعلمت باكراً أن الحق لا يُعطى لمن يسكت عنه، وأن على المرء أن يحدث بعض الضجيج حتى يحصل على ما يريد
  2. قال: “إن حسن المعاملة لا تعني شيئا ما دام الرجل الأبيض لن ينظر إليّ كما ينظر لنفسه، وعندما تتوغل في أعماق نفسه تجد أنه ما زال مقتنعاً بأنه أفضل مني
  3. قال: “عندما تكون عوامل الانفجار الاجتماعي موجودة لا تحتاج الجماهير لمن يحرضها، وإن عبادة الإله الواحد ستقرب الناس من السلام الذي يتكلم الناس عنه ولا يفعلون شيئا لتحقيقه“.
  4. تمنى مالكوم أن يصبح محامياً فحطم أمانيه أستاذه ستراوسكي ناصحاً له ألا يفكر في المحاماة لأنه زنجي وألا يحلم بالمستحيل؛ لأن المحاماة مهنة غير واقعية له، وأن عليه أن يعمل نجاراً.
  5. من أقوال بيمبي للسجناء: “إن من خارج السجن ليسوا بأفضل منهم، وإن الفارق بينهم وبين من في الخارج أنهم لم يقعوا في يد العدالة بعد
  6. في المسجد استرعت انتباهه عبارتان: الأولى تقول: “إسلام: حرية، عدالة، مساواة“. الأخرى مكتوبة على العلم الأمريكي، وهي: “عبودية: ألم، موت

الملك فيصل آل سعود رحمه الله: إن ما يتبعه المسلمون السود في أمريكا ليس هو الإسلام الصحيح

Advertisements