ولا أتحدث هنا عن المسلسل لتلفزيوني Prison Break .. فلم أره و لا أريد أن أراه.. لغرضٍ في نفسي.. بل سأتحدث اليوم عن هرب بطلة فيلم لم يتم ترشيحه مع الأسف لجائزة الأوسكار عام 2002 م.. ولم يُعرض أيضاً!!

 

المكان: مبنى محاضرات التلفزيون (الدهليز) جامعة طيبة، المدينة المنورة.
الزمان: منتصف النهار، أثناء سير محاضرات فترة الظهر.
الشخصيات: فـــضاء و ضابطة مخالفات الزيّ الجامعي.

 

اندمجي! اندمجي مع السكون..مع الجماد و الهواء..لا تتنفسي..لا نبض ولا زفير ولا تصرفُ جنون!

 كررت فضاء هذه العبارة في رأسها.. حتى تلاشت عن أنظار من يلاحقها.. اندمجت مع المقاعد حولها و أصبحت جزيئات كيانها.. لا تـُرى..”ربما هو حظي العاثـر قد انقـلب في صالحي تلك اللحظةهكذا علقت فضاء وهي تحكي لزميلاتها.. قصة هروبها من ضابطة مخالفات الزيّ الجامعي، وهي بالنسبة لطالبات الامتياز التهديد الأكبر لهن. فتكرار مخالفات الزيّ 3 مرات في الشهـر يحيلهن إلى الإدارة وقد يصل الأمر للحرمان من المكافأة الجامعية.

صحيح! لماذا يخالفن الأنظمة ولا يتبعنها؟ في الحقيقة مهما اتبعنّ الأنظمة كان لدى الضابطة أسلوب شيرلاك هولمز في إيجاد خللٍ ما في ثيابهن و تسجيل أسمائهن.. لم تكن فضاء أول هاربة من عدالة الجامعة إلا أن العدالة محتارة حتى الآن في الصورة التي سترافق منشورة Wanted.. لقد كانت لحظة تردد و هي تنزل الدرجات و إذ بها تلمح السيدة ضابطة المخالفات.. تفقدت هندامها البنفسجي وتراجعت بعفوية للخلف.. سمعت الضابطة وقع الأقدام وباحترافية و خبرة منقطعة النظير.. أدركت أنها وقع أقدامٍ هاربة..

 

 صاحت من مكانها: “تــــــوقـــفــــيــــ يـــا طــــالــــبــــة!!” كان لزماً على فضاء الهرب وصولاً للسلالم الخلفية لمبنى التلفزيون و التي توصلها مباشرة للكافيتيريا.. فسلمت أرجلها للريح في خوفٍ و تفاجأت بسرعة لحاق الضابطة التي بعمر والدتها لها.. ما شاء الله! رغم معرفة فضاء لكل ركن في دهليز المبنى.. كانت الضابطة أكثر خبرة منها.. فما كان لفضاء إلا اللجوء لله.. ومن ثمّ للدهاء.. انحرفت في مسار هربها إلا قاعة خالية من شاشات التلفاز.. بهدوء.. وكأنها تحضر محاضرة.. بين المقاعد المبعثرة جلست على الأرض و مددت كتبها و حقيبتها..

 

أغمضت عيناها و حبست أنفاسها و كررت لنفسها: “اندمجي! اندمجي مع السكون..مع الجماد و الهواء.. لا تتنفسي.. لا نبض ولا زفير ولا تصرفُ جنون!” كانت ترتجف.. فهي لم تشعربهذا الخوف منذ زمن بعيد، بعيد. استمرت الضابطة تحوم في ذلك المكان ذهاباً و إياباً.. و صوتها يلهث و تتساءل: “أين ذهبت؟ أين هي؟

 

شعرت فضاء أنها طريدة نمر أو أسدٍ جائع و مع ذلك لزمت مكانها ساكنة كالصخر.. لا صوت يصدر منها سوى صوت نبضات قلبها المخنوق.. تجولت الضابطة لخمس دقائق.. ثم تذكرت السلالم الخلفية للمبنى.. فأسرعت الخطى لتسبق فضاء إليه.. وما أن وصلت حتى كانت جماعات الطالبات منصرفات من محاضراتهن.. اقتحمت الصفوف متجهة للكافيتيريا وهنا وقفت تحاول جاهدة النظر في الوجوه و الألوان.. أشارت إليها فضاء من مقعدها على الطاولة بهزة طفيفة بكأس العصير تنبه زميلاتها قائلة: انظروا لا تزال تبحث عني!

 

 نظرن جميعاً إليها و خيبة الأمل تعلو ملامح وجهها وهي ترى أن جميعهن ملتزمات بالزي حتى فضاء التي ترتدي كنزةً سوداء.. و همّت بالانسحاب و فضاء تضيف: “في المرة القادمة سيدتي، سعدتُ بمواجهتك اليوم!” و تنفست فضاء الصعداء.

Advertisements