إلى رحمة اللهو لك يا جدتي و لأجل غلاك بالقلب، أفرد لك صفحةً في مدونتي، أحدثها باستمرار، لتجديد ذكراكِ، التي لا أريد منها أن تموت.. جمعة كريمة

هذه المدونة خاصة جداً.. أكتبها تخليدًاً مني لذكرى جدتي.. رحمها الله رحمة واسعة و أسكنها فسيح جناته..

فكرتُ كثيراً.. قبل كتابة هذه التدوينة.. وسألتُ نفسي: أ يحقُ لي؟

ثم تأملت موقفي قليلاً.. هي جدتي، و أم والدتي، ربيتُ في بيتها، وعلى أصول عاداتها، وهي قدوتي في صحتها و مرضها، بركتُ اجتماعنا الأسبوعي، وملاذي بعد الله من عناء الدنيا.

كانت تكفيني نظرة لوجهها البشوش، و كلمة من لسانها الشكور، فأنسى همّ الدنيا و غمّها..

كان مكان جلوسي على سريرها.. بجانبها..

أكثر من 13 سنة.. تمددت هذه السيدة على فراشها.. عاجزةً عن المشي و الحركة..

بل كما تقول أمي.. نحن لم نعي الدنيا إلا وهي تتناول أدويتها الواحد تلو الآخر..

صبرٌ عظيم دام كلّ هذه المدة.. و شخصياً لم أسمع منها أبداً أي شكوى..

كنت أسأل نفسي، هل هناك من هي أعظم من الأم؟ وكنت أقول لنفسي لا..

إلا أنني أقول الآن بلا.. ليس هناك أعظم من الأم سوى أم الأم..

كنتُ طيلة حياتي أفتخر أن قدوتي في عالمي هذا 3 رجال.. والدي و أخوه الأكبر و خالي الأكبر..

و نسيتُ أن على رأس هؤلاء الثلاثة.. امرأة.. وهي جدتي..

كل ما رأيتهُ فيهم و تعلمتهُ منهم.. كانت تفعلهُ و تؤمن به.. قبلهم!

وهل نحن غافلون عن بركتها و خير صنيعها؟ لا.. لكن لا يقدر المرء حجم الشيء إلا بعد أن يفقده..

جلسنا برفقة والدتي في مساء أحد أيام العزاء.. و روت لنا بعض قصص جدتي التي لم تكن المرة الأولى التي نسمعها فيها..

لكن وقعها كان أكبر و أعظم.. لأننا جميعاً نعلم.. أنها ذهبت..

إلى جوار ربها ذهبت.. بكيناها كثيراً.. لفراقها و ليس لموتها.. فموتها كان رحمة..

توقف و جف قلمي و لكن قرأتُ هذه السطور و ألهمتني بتعبيرٍ يترجم مكنونات قلبي

يوماً ما اعتقدتُ أن أصابعي تحمل بصماتك، و أن عروقي تحمل دمك، وأن صدري مليءٌ بأنفاسك و أنكِ لو ابتعدتِ عني، سأموت اشتياقاً إليكِ. وها أنتِ ابتعدتِ و ها أنا لم أمت، ولكنني لستُ على قيد الحياة

آمنتُ أن موت المؤمن رحمة من الله.. فهو موعودٌ بجنةٍ عرضها السموات و الأرض.. و أسأل الله.. أن يجمعنا و إياها تحت ظلال جنتهِ.. برحمته.. على سررٍ متقابلين..

.. و القارئين و السامعين و المُـأمنين..

..اللهم آمين.. اللهم آمين.. اللهم آمين..

(الصورة المرفقة، قد لا تعني لأي قارئٍ منكم أيّ شيء، إلا أنها ذكرى مكان و مقر إنسانة عظيمة سأفتقدها كثيراً و سيفتقدها كل من يقرأ هذا الموضوع من أسرتي)

  

*تحديث: 17/ 9/ 2009 م يوافق السابع و العشرين من شهر رمضان 1430 هـ

جدتي العزيزة: نحن في حيرة كبيرة.. لا أزال بكل سخافة.. أهاتف أمي و أسألها أين أنت؟ و كلي أمل أن تقول أنها في منـزلك!

مر رمضان سريعاً.. و لم نجتمع أبداً.. و ها هو العيد قد حضر.. فكل عام و قبركِ روضة من جنان الرحمن.. دعاءنا لك لا ينقطع.. و حبنا لكِ دائمٌ موجود.. لكن كيف لنا أن نعيّد هذا العام.. أنبقى في بيوتنا أم نتخبط في الطرقات و أبواب البيوت.. التي لم يعد يبقى فيها أصحابها.. أو نام فيها أهلها.. كم أفقدكِ.. كم أفقد بهجة العيد بتواجدكِ..

رحمك الله رحمة واسعة.. و جمعني بكِ مع أحبابكِ في الفردوس الأعلى.. برحمتهِ.. اللهم آميــــــــــــــن..

 

*تحديث* ذي الحجة 1430 هـ. رسالة إلى جدتي.

 

 

 

*تحديث: 25/ 1/ 2010 م  الموافق للثامن من محرم 1431هـ

جدتي الغالية.. لك وحشة تزداد يوماً بعد يوم.. و يؤسفني أن أتذكر الكتابة لك في مثل هذا اليوم..

اليوم الذي فارق فيه خالي عبد الله الحياه.. اليوم الذي ترك فيه خالتي وحيده.. اليوم رأيتها تعبت من الجلوس فتمددت على فراشها.. و سبحان الخالق.. كأنها أنتِ.. رائحة غرفتها.. ذكرتني برائحة بخورك.. كم كانت مؤلمة تلك الغصة في قلبي..

الموت رحمةٌ ما بعدها رحمة لعباد الله الصالحين.. فالله يعدهم الجنة على الصبر العظيم.. و لم أرى أصبر من الخال عبد الله.. جدتي.. عظم الله أجوركم جميعاً.. و جمعنا بكِ و بهم.. قريباً.. برحمتهِ.. في الفردوس الأعلى.. اللهم آمين..

اقتباس: “أدركت بعد ليالٍ من البكاء المر.. أن من ترحل به رياح الواقع لا تعود بحور الحنين أبداً“..

ما باليد إلا.. أن لا ينقطع الدعاء.

 

 

*تحديث* 16/ 12/ 1431هـ الموافق للثاني و العشرون من نوفمبر 2010م

جدتي الحبيبة: تمت معاتبتي من المفاعيص أخواني الفتيان لأنني لم أكتب معايدة لكِ هذا العام. يعتقدون أنه من السهل أن أكتب لك و أحكي لك و من ثم أضحك فأجدني أضحك وحدي! أو أبشرك بخبرٍ طيب و لا أسمع كلمات الحمد و الثناء من لسانك. يعتقدون أن أختهم الكبرى، ذلك الجدار الصلب، يستطيع و يستهل النظر إلى صور منزلك، النظر فقط يعيد إلليّ روائح البخور و عبق الورد.

لم أطلق النار عليهم بالعتب المضاد، و السبب أنني ألتمس لهم العذر و أعلم أنهم أيضاً يفتقدونك. أن يترتب جدول حياتهم كلها و يكون محورها أنتِ شيءٌ عجيب. صلاتهم في المسجد قرب بيتك، حفظهم لحاجياتكِ الصحية من الصيدلية عن ظهر قلب. خبز و بقالة و مشتريات اجتماع الأربعاء كل أسبوع، غرفة التنس التي تفضل بها خالي و حجزها لهم و التي نظموا فيها دورات و تحديات مع شباب و رجال العائلة.

حين أغلقت تلك الأبواب الخشبية مرةً و إلى الأبد، كانت لحظة كأننا رمينا بهؤلاء الفتيان في قارعة الطريق. تغير المسجد، تغيرت سهرة الأربعاء، هـُجرت الصيدلية، و البقالة ملاذ إدمانهم للمشروبات الغازية!

ليتني أسمعك تضحكين، أراكِ تبتسمين، أخبارهم كلها طيبة تسرك سروراً عظيماً، و بعد فضل ربي و من ثم فضل والديّ لا يمكن لأيّ منا إنكار فضلكِ. جدتي الغالية، شكراً لأننا كنا جميعاً جزءاً منكِ عزيزون إلى قلبك. كنا نعلم ذلك و لا نزال نعلم ذلك، عيدنا بدونك ليس عيداً لكن بشرانا لكِ أننا لا نزال كما كنا في اجتماع الأربعاء بقدر الإمكان “أسرة واحدة” نسأل الله أن لا يغير علينا هذه الألفة و تلك المحبة و التفاهم.